يريد غوايتهم ، وجواز وقوع الإرادة منه سبحانه لا يدل على أن المراد بالغواية هو التمادي في المعصية ، بل من القريب أن يكون المراد بها هو العقاب ، فيكون معنى الآية هو أن نصحي وإرشادي لا يدفع عنكم العقاب ما دمتم مصرين على ما أنتم عليه من الضلال والعصيان ، إلا أن تطيعوا وتتوبوا إلى ربكم من سوء أعمالكم .
وقد عبر سبحانه عن العقاب بالغواية في آية أخرى ، قال :
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
. وهو مصدر مشتق من « غوى » .
ومهما يكن فالمراد من الآية أن نصحي وإرشادي لا يدفع عنكم عذاب اللّه وعقابه ، ما دمتم مصرين على سوء أعمالكم .
وفي الأمالي للسيد المرتضى عن جعفر بن حرب أن الآية كانت في طائفة من قوم نوح تدعي بأن اللّه أراد غوايتهم وعدم إيمانهم به ، فنبههم اللّه سبحانه على فساد مذهبهم على سبيل الإنكار لقولهم أي أن اللّه كما تقولون وتزعمون يفعل فيكم الكفر والعصيان ، فما ينفعكم نصحي ولا تطلبوه مني ، وأنتم على هذه العقيدة الفاسدة لأنكم لا تنتفعون به ، إذ كان هو الذي يغويكم .
ويمكن أن يكون المراد بها أن النصح لا ينفع الظالم عند عقابه ونزول العذاب به ، إذ لو تاب والحال هذه ، لا تنفعه التوبة ولا تقبل منه ، فلا فائدة في نصحه وإرشاده .
ومن الآيات قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
، وقوله في السورة نفسها :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
، وفي سورة الأنعام
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وغير ذلك من الآيات التي جعل فيها هداية العبد وضلاله مترتبة مشيئة اللّه سبحانه .