واتفق أغلب من تأخر عن هؤلاء المفسرين كالقاضي عبد الجبار والطوسي والطبرسي والزمخشري والفخر الرازي والقرطبي وغيرهم على القول بأن هذا الوحي كان إلهاما « 1 » .
كما أن أغلب أهل اللغة وعلى رأسهم الخليل الفراهيدي على القول بالإلهام قال الخليل : أوحى ربك إلى النحل ألهمها ، وأوحى لها معناه : أوحى إليها في معنى الأمر « 2 » وهو ما قال به أبو عبيدة أيضا « 3 » .
ب - الإلقاء في النفس
: ربط الطبري بين الإلهام والإلقاء في المعنى ، إذ يرى أن الوحي إلى النحل معناه : ألقى إليها ذلك فألهمها « 4 » . فكأنه يرى أن طريق إيصال ذلك الوحي هو الإلقاء وإن المعاني إذا انطبعت في نفس النحل واستحقت التعبير عنها بالوحي فهذه المعرفة هي الإلهام على درجات أولها الإلقاء في النفس .
ونقل الطبري . . قال أخبرنا معمر قال : بلغني في قوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
: قذف في نفسها « 5 » .
وعبر الزمخشري عن الربط بين الصيغتين وما تؤديان إليه من معنى هو حقيقتهما بأن هذا الوحي إلى النحل يعني : إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه « 6 » . وهذا بلا شك رأي يبيّن القول في كيفية هذا الوحي إلى النحل بأن يؤكد خفاءه وأن لا طريق إلى معرفته فهو سر من أسرار خلقتها .
ج - الأمر : حيث عبروا عن هذا الوحي بأنه كان بأمره تعالى لها دون بيان كيفية وصول هذا الأمر . عن ابن عباس قال في :
أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أمرها أن تأكل الثمرات وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللا « 7 » . وإجمالا فإن هذه الصيغ عموما تصب في معنى الإلهام .
ويحلل القاضي عبد الجبار حقيقة هذا الإلهام بتعدد صيغه بأن ما عبّر عنه بالوحي إليها لا يدخل تحت مفهوم الوحي الذي يكون للأنبياء عليهم السلام وإنما
هامش
( 1 ) انظر تنزيه القرآن عن المطاعن ( ص 220 ) ، والتبيان ( 6 / 403 ) ، والكشاف ( 2 / 536 ) ، ومجمع البيان ( 3 / 371 ) ، ومفاتيح الغيب ( 11 / 110 ) ، وجامع أحكام القرآن ( 10 / 133 ) .
( 2 ) العين ( 3 / 320 ) .
( 3 ) انظر التبيان ( 6 / 403 ) .
( 4 ) جامع البيان ( 3 / 183 ) .
( 5 ) المصدر السابق ( 14 / 93 ) .
( 6 ) الكشاف ( 4 / 417 ) .
( 7 ) جامع البيان ( 14 / 93 ) .