المبحث الخامس ترجمة القرآن
يقودنا الحديث عن لغة القرآن وإعجازه إلى حديث عن ترجمة القرآن بلغة غير لغته ، إذ مفهوم الترجمة - كما يقول لسان لعرب - هي نقل الكلام بلغة غير لغته ، فترجمه وترجم عنه : إذا فسّر كلامه بلسان آخر ، كما أن التّرجمان - بالضم والفتح - هو الذي يترجم الكلام ، أي : ينقله من لغة إلى أخرى .
ويجدر بنا أن ننوه إلى أن الترجمة ضرورة لنا من أجل إبلاغ ديننا الذي لا يتأتى بدونها ، وقد مارسها أجدادنا الأوائل بحال من الأحوال ، وإن قلّ اعتمادهم عليها في صدر الإسلام الأول ، نظرا لإقبال الشعوب غير العربية على تعلّم اللغة العربية التي هي عماد دينهم ، فجعل القرآن منهم لسانا عربيا أنساهم في كثير من الأحيان لغاتهم الأصلية ، بل نصّب الأعاجم أنفسهم لخدمة العربية ، فكان منهم من وضع القواعد والأسس للغة القرآن ، وما أفضل ما قاله الإمام ابن حجر : « إن العربيّ هو من تكلّم العربية وإن كان من العجم ، والأعجمي هو من تكلّم غير العربية وإن كان من العرب » .
أقول : إن الأهمية للترجمة قد بدأت تأخذ طريقها ، وأحرى بنا أن نعتني بها ، لأن البعثات التبشيرية والاستشراقية أصبحت المصدر الوحيد للمعرفة الإسلامية لأولئك الذي يسلمون من غير العرب ، أو لأولئك الذين يرغبون في معرفة الإسلام .
بعد هذه اللمحة نتحدث عن حكم الترجمة للقرآن ، ولا يفوتنا أن ننبه إلى نوعين من الترجمة :
ترجمة حرفية وترجمة تفسيرية . ولا خفاء أن الترجمة الحرفية مستحيلة ، إذ إبدال حرف أو كلمة منه يخلّ بإعجازه الذي هو سمته ، والتي بدونها لا يكون قرآنا ، فكيف بإبدال لغته ، وعلاوة على ذلك ، فإن الألفاظ العربية لها معنيان : معنى أصلي هو المعنى الذي لا اختلاف فيه في كل الألسنة واللغات ، ومعنى ثانوي وهو المعنى