تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
فقد هدأت الزمجرة ، وسكنت العاصفة وولدت الدنيا كما كانت من جديد . وتعال فلنتأمل في اللوحة الإلهية التي رسمت هذا المشهد :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ؛ وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. إن هذه الجمل القرآنية العجيبة ، تصور لك هذا الكون الهائل الفسيح من سماء وأرض وبحار وجبال في صورة أنموذج من القطع المركبة إلى بعضها مما يوضع بين يدي الأطفال ، جاءت يد إنسان فنثرتها وفصلت أجزاءها ، ثم ما هو إلا أن عاد فركّبها إلى بعضها كما كانت في أسرع وقت . وهي تصوّر لك معنى الإرادة الإلهية وسلطانها الرهيب المنبسط على الكون كله بل القابض عليه كله ، وتتصرف به كما تشاء ليس في حسابها أي معنى لكبير وصغير أو لعظيم وحقير . ألا ترى كيف علّقت الآية رجوع كل شيء إلى ما كان عليه بعد أن التقت مياه السماء والأرض على طوفان هائل مخيف - على كلمة صغيرة هي :
وَقِيلَ
لتصوّر لك سهولة الأمر وأنه لا يحتاج إلا لهذا الأمر الإلهي الذي به قيام الدنيا وزوالها . ثم انظر إلى دقائق التعبير المصوّر :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
أرأيت أنه لم يقل : جففي ماءك ، مثلا ، مع أنه هو التعبير المتفق مع طبيعة الأرض وشأنها ، وإنما قال : ابلعي ماءك ، ليصوّر لك بأن الأرض لما اتجهت إليها إرادة العزيز الخبير انقلبت مسامها وشقوقها إلى أفواه فاغرة تبتلع بها المياه ابتلاعا ! فهي لم تنفّذ الأمر بالطبيعة المألوفة لها وإنما بالانقياد لأمر خالقها جلّ جلاله .
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
وأنت إذا تأملت في كلمة اقلعي - وهي بمعنى كفّي وأمسكي - تصورت كم كانت منفتحة على مياه تنصبّ إلى الأرض وحسبك أن تتأمل الآية الأخرى في وصف ذلك : وفتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، لتتصور هول تلك المياه المنهمرة من أبواب السماء . ثم انظر كيف أسند الخطاب إلى كلّ من السماء والأرض مع أنهما مخلوقان
من روايع القرآن — صفحة 274 | محمد سعيد رمضان البوطي