تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ينصتون إلى شيء من الحق مهما ذكروا به ودعو إليه ، في حين أنهم يسرعون إلى الكفر والجحود مهما لاحت لهم أي صورة منه على البعد . فمن أجل ذلك ، لا مردّ ولا رجوع ؛ والحكم للّه العليّ الكبير وحده . * ويلتفت السياق هنا ، بعد أن تصور القارئ المتأمل رهبة الحشر والحساب يوم القيامة ، وتصور حالة الندم التي يستغرق فيها الكافرون إذ ذاك دون أي فائدة ؛ لينبّه الناس - وإن الوقت لم يفت بعد ، وإن هذا الموقف لا يزال غيبا في علم اللّه - إلى أن يتداركوا فيصلحوا أحوالهم ويؤمنوا بالحق القائم جليّا أمام بصائرهم . فيقول اللّه عزّ وجلّ مخاطبا عباده في دار الدنيا :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
. فأما الآيات ، فهي تلك الدلائل الجليّة على وجود اللّه ووحدانيته والتي بها تستقر العقيدة الصحيحة في القلب فتحقق مصلحة الدين للناس في الحياة . وأما الرزق الذي ينزل من السماء فهو كناية عن سببه وهو المطر الذي به تحيا الأرض وتوجد الأرزاق ، والذي به تتحقق مصلحة الدنيا للناس في الحياة ، فالآية تبيّن أن اللّه عزّ وجلّ قد أقام لعباده في الدنيا كلّا من أساسي مصلحة دينهم ومصلحة دنياهم . ولكن رغم ذلك كله ، فإنه لا يتذكر هذه الحقيقة الواضحة ويستيقظ إليها إلا من تخلّص من شوائب أهوائه وأغراضه ورجع إلى عقله المتجرد الحرّ يستمع إلى حكمه ويأخذ بهديه . * فإذا كان الأمر كذلك ، فاستقيموا أيّها المؤمنون على عبادة اللّه تعالى وأخلصوا الدين له ، ولا تلتفتوا إلى ما يغيظ الكافرين من ذلك ، فهم إنما يكرهون ذلك منكم وينكرونه بسائق من شهواتهم وأهوائهم النفسية ، لا بوحي من عقولهم الحرّة الطليقة . ولما أمر اللّه المؤمنين بالاستقامة على عبادة اللّه ، أتبع ذلك ببيان بعض ما يتصف به اللّه عز وجلّ من صفات الربوبية تأكيدا لما تضمنته الآية السابقة من الأمر بعبادة اللّه عزّ وجلّ فقال :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ، ذُو الْعَرْشِ ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
.
من روايع القرآن — صفحة 250 | محمد سعيد رمضان البوطي