وعلى هذا فالمتشابه هنا هو قسيم المحكم ومقابله .
قال سبحانه :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[ آل عمران : 7 ] .
فالمتشابه هنا هو متشابه الدلالة الذي خفي معناه وغمض واحتاج إلى بيان وتأويل ، وذلك إما بترجيح وجه على وجه من الأوجه المحتملة لدليل معتبر ، وإما برد المتشابه إلى المحكم ليحكمه ويبين مراده .
ومن هذا الأخير رد قوله سبحانه وتعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] إلى الآية المحكمة
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فنجزم بأن استواء الرحمن ليس كاستواء الإنسان ، لأن اللّه سبحانه ليس كمثله شيء . وكذا يرد قوله سبحانه :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها
[ الإسراء : 16 ] إلى قوله سبحانه المحكم :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] وبذا يتبين المراد .
ومن هنا كان المتشابه بإطلاقه هذا ميدانا رحبا للعلماء والنظار والمفكرين ، فهما وتدبرا لآيات اللّه سبحانه ، واستنباطا وترجيحا لمعنى على معنى .
ولو أراد اللّه سبحانه أن يكون كلامه في القرآن الكريم محكما كله لكان ، ولكن اللّه سبحانه أراد للإنسان أن يعمل فكره ويقدح زناد عقله ، تدبرا لكتاب اللّه :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] ، إمعانا في التكليف ليعرف الإنسان قدره . وبهذا يتفاضل الناس ، وبه تنمو مداركهم وفهومهم .
ثم إن القرآن الكريم قد جاء على سنن العرب في خطابهم من الإيجاز والحذف والتوكيد وإغماض بعض المعاني وإظهار بعضها ، بما يتناسب وبلاغة الكلام .
وفي المتشابه ابتلاء للناس واختبار ، فالمؤمنون هم الذين يؤمنون بصدق ربهم وصدق إخباره ، يسلمون له بكل ما يخبر به . وهذا فيه ما فيه من إلماح إلى محدودية عقل الإنسان ، وقصور مداركه ، فهو وإن بلغ الغاية لا يستطيع مجاوزة الحد الذي رسمه اللّه له . واللّه سبحانه لم يكلفنا شططا ، وإنما حفزنا إلى التفكير والاستنباط ، ولكن بضوابط شرعية وعقلية ولغوية . أما أهل الزيغ والضلال فهم يتتبعون متشابه القرآن ، ويغضون الطرف عن محكمه . وبذا يصرفون كلام الحق عن وجهته ومقصده ، إثباتا لمعتقداتهم وتحقيقا لأهوائهم .
منشأ التشابه
:
1 - خفاء المراد من اللفظ
:
مثال
:
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
[ الصافات :