مراتب الكمال المكتسب في العالم ، رأيتها كلها منوطة بالصبر ، وإذا تأملت النّقصان الذي يذمّ صاحبه عليه ، ويدخل تحت قدرته ، رأيته كله من عدم الصبر ، فالشجاعة والعفة ، والجود والإيثار ، كلّه صبر ساعة .
فالصّبر طلّسم على كنز العلى * من حل ذا الطّلّسم فاز بكنزه « 1 »
وأكثر أسقام البدن والقلب ، إنما تنشأ عن عدم الصبر ، فما حفظت صحة القلوب والأيدان والأرواح بمثل الصبر ، فهو الفاروق الأكبر ، والتّرياق الأعظم ، ولو لم يكن فيه إلا معية اللّه مع أهله ، فإن اللّه مع الصابرين ومحبته لهم ، فإنّ اللّه يحب الصابرين ، ونصره لأهله ، فإن النصر مع الصبر ، وإنه خير لأهله ،
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
« 2 » [ النحل : 136 ] ، وإنه سبب الفلاح :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 3 » [ آل عمران : 200 ] .
صبر « 4 » :
روى أبو داوود في كتاب المراسيل من حديث قيس بن رافع القيسي ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ماذا في الأمرّين من الشّفاء ؟ الصّبر والثّفّاء » « 5 » . وفي « السنن » لأبي داوود : من حديث أم سلمة ، قالت : دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين توفي أبو سلمة ، وقد جعلت عليّ صبرا ، فقال :
« ماذا يا أمّ سلمة ؟ » فقلت : إنما هو صبر يا رسول اللّه ، ليس فيه طيب ، قال :
هامش
( 1 ) الطّلسم : جمع المفردة طلسمات ، وطلاسم ، وهي خطوط خاصة يستعملها المشعوذون يزعمون أنهم يدفعون بها الأذى .
( 2 ) وجزاء الصابر المحتسب عند اللّه بمنزلة المفعم عليه الشاكر ، كلاهما في الفضل سواء .
( 3 ) راجع مجاز القرآن ( 112 ) وتفسير الطبري ( 7 / 508 ، 509 ) .
( 4 ) راجع المعتمد ص 281 .
( 5 ) تقدم تخريجه ، وهو ضعيف .