لماذا طلب الحقيقة ؟
بناءً على ما تقدّم فالإنسان يطلب الحقائق لكي يعرف ما هو ملائم
لذاته حتّى يكون طالباً لما يكمل به ، وما هو غير ملائم يهرب منه لأنّه يؤدّى إلى إيلامه .
الإنسان إذن يطلب الحقيقة لأجل أن يعرف ما هو الشئ الملائم لكمال ذاته ، ويحاول أن يحصل على ذلك ، وأن يوجده لنفسه ، وأن يستغنى به ، وأن يكون جزءاً من وجوده . فالماء يشعر به إذا شربه أنّه يرفع العطش ، وهذا كمال له ، ويُوجِد لذّة عنده فيطلبه ، أمّا السمّ فإنّه يعلم بأنّه إذا شربه سيؤدّى به إلى الهلاك فينفر منه .
ومن هنا يحاول أن يميّز في واقع الأمور ، بين ما هو فيه لذّة له ، وما هو مؤلم له .
فطلب الحقيقة ليس طلباً لها بما هي حقيقة بل لكي يتعرّف من خلالها على ما يلائمه ويسبّب له اللذّة ، وما هو غير ملائم له ويؤدّى إلى إيلامه فيهرب ويتخلّص منه .
وهكذا في محاولته لمعرفة الله تبارك وتعالى ، فهو يطلبها لأنّ معرفة الله تعالى والقرب منه كمال له ، وعدم معرفته تعالى والجهل به نقص .
وكذلك معرفة الآخرة ، وقوانين النشأة الأخرى ، إنما تكون لأجل معرفة ما ينفعه وما يضرّه ، وقلنا سابقاً بأنّ كلّ ما يطلبه الإنسان بالفطرة هو مقتضى حكمة الله تبارك وتعالى ، لأنّه تعالى أوجَد الفطرة في الإنسان لكي يلبّى له ذلك المطلوب بفطرته ، وإلّا لو لم يُرِد تعالى تلبية الإنسان فلماذا يوجد ذلك الطلب في وجود الإنسان وفى فطرته ، وهو سبحانه كلّه لطفٌ وفضل ؟