الله سبحانه وتعالى يُخرج للإنسان كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً .
توضيح ذلك : إنّ من أهمّ خصائص الإنسان في هذه النشْأة أنّه يولد وهو لا يملك شيئاً من العلوم والمعارف والمعلومات الحصوليّة وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ( النحل : 78 ) ، وهذا لا يتنافى مع قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ( الروم : 30 ) إذ إنّ هذه المعرفة الفطريّة هي سنخ آخر من المعرفة تختلف عن التي نحصل عليها من خلال الكتاب والأستاذ .
وقوله تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
تشير إلى العلم الكسبى ، لا إلى العلم المطبوع بتعبير الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : «
دفائن العقول
» ، أمّا ذاك العلم الفطري فهو أمرٌ آخر ، أمّا العلم الكسبى فهو الحاصل من خلال التعلّم وما شابه ذلك وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وهى أدوات العلم والتعلّم ، ولذا ورد في كلمات الفلاسفة أنّه من فقد حسّاً فقدَ علماً ، فمَن فقدَ حسّ البصر يفقد تلك المعلومات التي تصله من خلال البصر ، وهكذا في فقد حاسّة الشمّ والسمع .
إذن الإنسان يولد في هذه النشأة وهو لا يعلم شيئاً ، وعندما يكبر يتعلّم ويبدأ بفهم الحقائق من خلال ما يمارسه ويعيشه في هذه النشأة الدنيويّة .
والإنسان عندما يسمع أو يقرأ آيات الكتاب الكريم تتبادر إلى ذهنه مباشرةً الأمور المادّية ، فمثلًا حين يسمع قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( البقرة : 255 ) : ينتقل ذهنه إلى الكرسي المألوف ، وهكذا في قوله تعالى : عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( طه : 5 ) ينتقل ذهنه إلى المصداق المادّى كالعرش الموجود عند الملوك والسلاطين والحكّام ، وفى قوله تعالى : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( الرحمن : 27 ) يتبادر إلى ذهنه الوجه المتعارف
المعاد روية قرآنية — صفحة 336
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣٦