ولذا نحن نعتقد أنّ الإنسان الميّت سواء كان له قبرً فقهىّ أم لم يكن ، فإنّ له قبراً هو البرزخ ، كما هو الحال بالنسبة لمن أكلت بدنه الوحوش وسباع الأرض .
وما سنذكره في هذه الأبحاث حول نعيم القبر وعذابه بضغطته ، وسؤال منكر ونكير ، وسؤال الملائكة ، هذه كلّها أحكام القبر الكلامي لا القبر الفقهي ، لأنّ البرزخ عالم وراء هذا العالم ، مرتبط بالغيب لا بالشهادة ، وبعالم الملكوت ، وبباطن عالم السماوات والأرض .
والبحث في القبر الفقهي مرتبط بالرسائل العمليّة التي بيَّنت الأحكام الفقهيّة له .
البرزخ الصعودي والنزولى
أشار القرآن الكريم في ضمن آياته إلى أنّ الإنسان بدأ من نقطة وسوف يسير للانتهاء إلى نفس النقطة كما في قوله تعالى : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( البقرة : 156 ) . كما أنّ القرآن عبّر عن الله تعالى أنّ من أسمائه « الأوّل والآخر » . فما هو معنى أنّه تعالى الأوّل والآخر ؟
إنّ المراد من الأوّليّة والآخريّة وفقاً لبعض الآراء أنّهما صفتان إضافيّتان بالنسبة إلى الإنسان نفسه ، فالإنسان بدأ من الله « إنّا لله » وسينتهى إليه من حيث الغاية والمآل « وإنّا إليه راجعون » .
وإذ يكون الابتداء منه والأوبة إليه ، فهو سبحانه الأوّل وهو الآخر ، ولكن بالنسبة إلى الإنسان ونسبته إلى الله ، وإلّا فإنّ الله لا أوّل لأوّليّته ولا آخر لآخريّته .
يمكن تقريب هذا الضرب من التفسير عرفيّاً بحركة الإنسان ، فإنّه يتحرّك من نقطة وينتهى إليها بنفسها ، ومع ذلك يطلق على نقطة الانطلاق