الكذب ؟ قلت : فمع السيوف لعب ! قال : فاذهب فإنّك أكذب العرب ، قلت : فأيّهما أصلح ، أكذب أم تقتلني أمّ سلمة ؟ فاستلقى ضاحكا وقال : اخرج قبحك اللّه ! وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأمّ سلمة ومعه خمس بدر وخمسة تخوت وقال : الزم ما سمعناه منك .
قال الأصمعي : قال الخليل بن سهل : يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعا من حديد مصمت في غلظ الراقود « 1 » ؟ قال : فقلت هاهنا أعرابي له معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا . فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال الأعرابيّ : قد سمعنا بهذا وقد بلغنا أنّ رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائما ورأسه في حجر أمّه فقالت لهما : ما شأنكما ؟ فقالا : بلغنا شدّة هذا الرجل فأتيناه ، فانتبه فزعا من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى أصفهان فقبورهما اليوم بها . فقال الخليل : قبحك اللّه ما أكذبك ! فقال : يا ابن أخي ما بيننا شيء إلّا وهو دون الراقود .
قيل : وقدم بعض العمّال من عمل فدعا قوما إلى طعامه وجعل يحدّثهم بالكذب فقال بعضهم : نحن كما قال اللّه عزّ وجلّ :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
[ المائدة : 52 ] .
وممن ذم الكذب
قيل : إنّه وجد في كتب الهند : ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رئاسة ولا لملول وفاء ولا لبخيل صديق .
وقال قتيبة بن مسلم لبنيه : لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنّه يقرّبها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة ، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنّه يقدّم حاجته قبلها ويجعل حاجتك وقاية لها ، ولا من أحمق فإنّه يريد نفعك فيضرّك .
وقيل أمران لا ينفكّان من كذب : كثرة المواعيد وشدّة الاعتذار .
وقال : كفاك موبّخا على الكذب علمك بأنّك كاذب .
وقال رجل لأبي حنيفة : ما كذبت قطّ . فقال : أمّا هذه فواحدة .
وفي المثل : هو أكذب من أسير السند ، وذلك أنّه يؤخذ الخسيس منهم فيزعم أنّه ابن الملك . ويقال : هو أكذب من الشيخ الغريب ، وذلك أنّه يتزوّج في الغربة وهو ابن سبعين
هامش
( 1 ) الراقود : دنّ طويل الأسفل يسيّع داخله بالقار .