الخشب وأتى به منزله وخرج هاربا من أهله ، فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوّارى فعجنته وخبزت . فلمّا جاء قال : من أين هذا ؟ قالت : الدقيق الذي جئت به .
وعن أبي عبد اللّه القرشيّ عن رجل قال : دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو ممّا يلي الركن ، فلمّا شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوز لم أر سويق اللوز أطيب منه ، فلمّا كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو ، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئا قطّ أطيب منه ، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني ، فلمّا كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلمّا كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه ، فلمّا شرب من الدلو وأرسلها قلت : يا هذا أسألك بربّ هذه البنيّة من أنت ؟ قال : تكتم عليّ حتى أموت ؟ قلت : نعم . قال : أنا سفيان ، وهو الثوري ، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسّكّر الطّبرزد لم أر قط أطيب منه ، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعا ولا عطشا .
وقال الأصمعيّ : رأيت أعرابيّا يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت : ما تصنع ؟ قال : إني وجدتها نعم الأثر في وجهه الرجل الصالح .
وممّا قيل من الشعر من هذا الفنّ منهم بشّار حيث يقول :
كيف يبكي لمحبس في طلول * من سيقضي ليوم حبس طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا * عن وقوف برسم دار محيل
ولمحمّد بن بشير :
ويل لمن لم يرحم اللّه * ومن تكون النّار مثواه
يا حسرتا في كلّ يوم أتى * يذكرني الموت وأنساه
كأنّه قد قيل في مجلس * قد كنت آتيه وأغشاه
صار البشيريّ إلى ربّه * يرحمنا اللّه وإيّاه
ولجرير :
إنّ الشّقيّ الّذي في النّار منزله * والفوز فوز الّذي ينجو من النّار
يا ربّ قد أسرفت نفسي وقد علمت * علما يقينا لقد أحصيت آثاري
فاغفر ذنوبا إلهي قد أحطت بها * ربّ العباد وزحزحني عن النّار
ولذي الرمّة بيت :
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة * وإلّا فإني لا إخالك ناجيا