بعضهم في إثر بعض حتى دخل . وكان حلو الشمائل ، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سنا ، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرفة ، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس ، فانبرى مسلم ينشد قصيدته ، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظه فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه ، وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته ، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني والرشيد الذي سماه بهذا الاسم ، والقصيدة هي هذه :
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي * ولا تطلبا من عند قاتلتيّ ذحلي « 1 »
فما جزعي أنّي أموت صبابة * ولكن على من لا يحلّ لها قتلي
أحبّ الّتي صدّت وقالت لتربها : * دعيه الثّريّا منه أقرب من وصلي
بلى ربّما وكّلت عيني بنظرة * إليها تزيد القلب خبلا على خبل
كتمت تباريح الصّبابة عاذلي * فلم يدر ما بي واسترحت من العذل
ومانحة شرّابها الملك قهوة * يهوديّة الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمس لم تهجن عروقها * بنار ولم يجمع لها سعف النّخل
بعثنا لها منّا خطيبا لبضعها * فجاء بها يمشي العرضنة « 2 » في مهل
قد استودعت دنّا لها فهو قائم * بها شفقا بن الكروم على رجل
فوافى بها عذراء خلّ أخو ندى * جزيل العطايا غير نكس ولا وغل
معتّقة لا تشتكي دم عاصر * حروريّة في جوفها دمها يغلي
أغارت على كفّ المدير بكونها * فصارت له منها أنامل كالذّبل
أماتت نفوسا من حياة قريبة * وماتت فلم تطلب بوتر ولا تبل
شققنا لها في الدّنّ عينا فأسبلت * كما أخضلت عين الخريدة بالكحل
كأنّ فنيقا « 3 » بازلا من شقّ نحره * إذا أسفرت منها الشّعاع على البزل
ودارت علينا الكأس من كفّ ظبية * مبتّلة حوراء كالرّشإ الطّفل
كأنّ ظباء عكّفا في رياضها * أباريقها أوجسن قعقعة النّبل
وحنّ لنا عود فباح بسرّه * فكان عليه ساق جارية عطل
هامش
( 1 ) الذحل : الثأر .
( 2 ) العرضنة : الاعتراض في السير من النشاط .
( 3 ) الفنق : النعمة في العيش والمفنق المترف .