فالمنتهى ملك ناصية الاختيار في الأخذ والترك ، ولا بد له من أخذ وترك في الاعمال والحظوظ . ففي الأعمال لا بد له من أخذ وترك ، فتارة يأتي الأعمال كآحاد الصادقين ، وتارة يترك زيادة الأعمال رفقا بالنفس ، وتارة يأخذ الحظوظ والشهوات رفقا بالنفس ، وتارة يتركها افتقادا للنفس بحسن السياسة ، فيكون في ذلك كله مختارا .
فمن ساكن ترك الحظوظ بالكلية فهو زاهد تارك بالكلية ، ومن استرسل في أخذها فهو راغب بالكلية . والمنتهى شمل الطرفين ، فإنه على غاية الاعتدال ، واقف على الصراط بين الإفراط والتفريط .
فمن ردت إليه الأقسام في النهاية فأخذها زاهدا في الزهد فهو تحت قهر الحال من ترك الاختيار ، وتارك الاختيار ، الواقف مع فعل اللّه تعالى مقيد بالحال .
وكما أن الزاهد مقيد بالترك تارك الاختيار ، فكذلك الزاهد في الزهد الآخذ من الدنيا ما سبق إليه لرؤيته فعل اللّه مقيدا بالأخذ ، وإذا استقرت النهاية لا يتقيد بالأخذ ولا بالترك بل يترك وقتا ، واختياره من اختيار اللّه ويأخذه وقتا ، واختياره من اختيار اللّه ، وهكذا صومه النافلة ، وصلاته النافلة ، يأتي بها وقتا ويسمح للنفس وقتا ، لأنه مختار صحيح في الاختيار في الحالتين ، وهذا هو الصحيح . ونهاية النهاية وكل حال يستقر ويستقيم يشاكل حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وهكذا كان رسول اللّه عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل ولا يقوم الليل كله ، ويصوم من الشهر ولا يصوم الشهر كله غير رمضان ، ويتناول الشهوات .
ولما قال الرجل إنني عزمت أن لا آكل اللحم قال : ( ( فإني آكل اللحم وأحبه ولو سألت ربي أن يطعمني كل يوم لأطعمنى ) ) وذلك يدلك على أن
عوارف المعارف — صفحة 604
مساهمون: عمر السهروردي
ص٦٠٤