الذي لا يصل إليه عوام المؤمنين إلا بعد الموت حيث يقال :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
. « 1 »
فأرباب النهايات ماتت أهويتهم ، وخلصت أرواحهم .
قال يحيى بن معاذ ، وقد سئل عن وصف العارف فقال : رجل معهم بائن منهم . وقال مرة : عبد كان فبان .
فأرباب النهايات هم عند اللّه بحقيقتهم ، معوقين بتوقيت الاجل ، جعلهم اللّه تعالى من جنوده في خلقه ، بهم يهدى ، وبهم يرشد ، وبهم يجذب أهل الإرادة ، كلامهم دواء ، ونظرهم دواء ، ظاهرهم محفوظ بالحكم ، وباطنهم معمور بالعلم .
قال ذو النون : علامة العارف ثلاثة : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، ولا يجعله كثرة نعم اللّه وكرامته على هتك أستار محارم اللّه .
فأرباب النهايات كلما ازدادوا نعمة ازدادوا عبودية ، وكلما ازدادوا دينا ازدادوا قربا ، وكلما ازدادوا جاها ورفعة ازدادوا تواضعا وذلة
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
. « 2 »
وكلما تناولوا شهوة من شهوات النفس استخرجت منهم شكرا صافيا يتناولون الشهوات تارة رفقا بالنفوس ، لأنها معهم كالطفل الذي يلطف بالشيء ، ويهدي له شيء ، لأنه مقهور تحت السياسة ، مرحوم ملطوف به .
وتارة يمنعون نفوسهم الشهوات تأسيا بالأنبياء ، واختيارهم التقلل من الشهوات الدنيوية .
هامش
( 1 ) سورة ق : الآية 22 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 54 .