ثم قال ثابت لسالم بن حذيفة : ما كنا نقاتل أعداء اللّه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثل هذا ، ثم ثبتا ولم يزالا يقاتلان حتى قتل واستشهد ثابت كما وعده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه درع ، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام ، فقال له أعلم أن فلانا رجلا من المسلمين نزع درعى فذهب بها وهو في ناحية من العسكر وعنده فرس يستن في طيه وقد وضع على درعى برمة .
فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعى ، وأت أبا بكر خليفة رسول اللّه عليه السلام فقل له إن على دينا حتى يقضى عنى ، وفلان من عبيدي عتيق ، فأخبر الرجل خالدا فوجد الدرع والفرس على ما وصفه ، فاسترد الدرع ، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته .
قال مالك بن أنس رضى اللّه عنهما : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه . فهذه كرامة ظهرت لثابت بحسن تقواه وأدبه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
فليعتبر المريد الصادق ويعلم أن الشيخ عنده تذكرة من اللّه ورسوله ، وأن الذي يعتمده مع الشيخ عوض ما لو كان في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واعتمده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
فلما قام القوم بواجب الأدب أخبر الحق عن حالهم وأثنى عليهم فقال :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
« 1 » .
أي اختبر قلوبهم وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصة ، وكما أن اللسان ترجمان القلب وتهذب اللفظ لتأدب القلب ، فهكذا ينبغي أن يكون المريد مع الشيخ .
قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر ، وقى مجالسة السادات من الأولياء ، يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى ، والخير في الأولى والعقبى ، ألا ترى إلى قول اللّه تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : آية رقم : 3 .
( 2 ) سورة الحجرات : آية رقم : 5 .