فكما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد مقدمات المشاهدات خوطب بهذا الخطاب ، وطولب بحقائق الاستقامة ، فكذلك علماء الآخرة الزاهدون ومشايخ الصوفية المقربون ، منحهم اللّه تعالى من ذلك بقسط ونصيب ، ثم ألهمهم طلب النهوض بواجب حق الاستقامة ، ورأوا الاستقامة أفضل مطلوب وأشرف مأمور .
قال أبو علي الجوزجاني : كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة .
وهذا الذي ذكره أصل كبير في الباب ، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب ، وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا بسير الصالحين المتقدمين ، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات ، فأبدا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ، ويحبون أن يرزقوا شيئا من ذلك .
ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب ، متهما لنفسه في صحة عمله ، حيث لم يكشف بشيء من ذلك ، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه ، فيعلم أن اللّه سبحانه وتعالى قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابا .
الحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا ، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا ، والخروج من دواعي الهوى . وقد يكون بعض عباده يكاشف بصرف اليقين ، ويرفع عن قلبه الحجاب .
ومن كوشف بصرف اليقين استغنى بذلك عن رؤية خوارق العادات ، لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين ، فلو كوشف هذا المرزوق صرف اليقين بشيء من ذلك ما ازداد يقينا ، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع لاستغنائه ، وتقتضى الحكمة كشف ذلك للآخر لموضع حاجته ، فكأن هذا الثاني يكون أتم استعدادا وأهلية من الأول حيث رزق حاصل ذلك وهو صرف اليقين بغير واسطة من رؤية قدره ، فإن فيه آفة وهو العجب ، فأغنى عن رؤية شيء من ذلك .
عوارف المعارف — صفحة 42
مساهمون: عمر السهروردي
ص٤٢