وقيل في تفسير قوله تعالى
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
« 1 » . هي القناعة .
فالصوفى قوام على نفسه بالقسط ، عالم بطبائع النفس ، وجدوى القناعة والتوصل إلى استخراج ذلك من النفس لعلمه بدائها ودوائها .
وقال أبو سليمان الدارانى : القناعة من الرضا كما أن الورع من الزهد .
ومن أخلاق الصوفية ترك المراء والمجادلة إلا بحق ، واعتماد الرفق والحلم ، وذلك أن النفوس تثبت وتظهر في الممارين . والصوفي كلما رأى نفس صاحبة ظاهرة قابلها بالقلب ، وإذا قوبلت النفس بالقلب ذهبت الوحشة ، وانطفأت الفتنة . قال اللّه تعالى تعليما لعباده
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
( 34 ) « 2 » .
ولا ينزع المراء إلا من نفوس زكية انتزع منها الغل ، ووجود الغل في النفوس مراء الباطن ، وإذا انتزع المراء من الباطن ذهب من الظاهر أيضا . وقد يكون الغل في النفس مع من يشاكله ويماثله لوجود المنافسة . من استقصى في تذويب النفس بنار الزهادة في الدنيا ينمحى الغل من باطنه ، ولا يبقى عنده منافسة دنيوية في حظوظ عاجلة من جاه ومال . قال اللّه تعالى في وصف أهل الجنة المتقين
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
« 3 » .
قال أبو حفص : كيف يبقى الغل في قلوب ائتلفت باللّه ، واتفقت على محبته ، واجتمعت على مودته ، وأنست بذكره ، فإن تلك قلوب صافية من هواجس النفوس ، وظلمات الطبائع ، بل كحلت بنور التوفيق ، فصارت إخوانا .
فهكذا قلوب أهل التصوف والمجتمعين على الكلمة الواحدة ، ومن التزم بشروط الطريق والانكباب على الظفر بالتحقيق .
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 97 .
( 2 ) سورة فصلت : الآية 34 .
( 3 ) سورة الأعراف : الآية 7 .