ومن أشكل عليه ذلك ، ولم يعلم أنه من استراق النفس السمع ، فليزن ذلك بميزان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتواضعهم ، واجتنابهم أمثال هذه الكلمات ، واستبعادهم أن يجوز للعبد التظاهر بشيء من ذلك ، ولكن يجعل لكلام الصادقين وجه في الصحة ، ويقال إن ذلك طرح عليهم في سكر الحال ، وكلام السكارى يحمل .
فالمشايخ أرباب التمكين لما علموا في النفوس هذا الداء الدفين ، بالغوا في شرح التواضع إلى حد ألحقوه بالضعة تداويا للمريدين . والاعتدال في التواضع أن يرضى الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه ، ولو أمن الشخص جموح النفس لأوقفها على حد يستحقه من غير زيادة ولا نقصان .
ولكن لما كان الجموح في جبلة النفس لكونها مخلوقة من صلصال كالفخار ، فيها نسبة النارية وطلب الاستعلاء بطبعها إلى مركز النار ، احتاجت للتداوي بالتواضع وإيقافها دون ما تستحقه ، لئلا يتطرق إليها الكبر .
فالكبر ظن الإنسان أنه أكبر من غيره ، والتكبر إظهاره ذلك ، وهذه صفة لا يستحقها إلا اللّه تعالى ، ومن ادعاها من المخلوقين يكون كاذبا .
والكبر يتولد من الإعجاب ، والإعجاب من الجهل بحقيقة المحاسن ، والجهل الانسلاخ من الإنسانية حقيقة . وقد عظم اللّه تعالى شأن الكبر بقوله تعالى :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
« 1 » .
وقال تعالى :
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
« 2 » .
وقد ورد قول اللّه تعالى : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته » وفي رواية « قذفته في نار جهنم » .
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 23 .
( 2 ) سورة الزمر : الآية 60 .