ونقل عن شيخ من مشايخ خراسان أنه كان يكثر التزوج حتى لم يكن يخلو عن زوجتين أو ثلاث ، فعوتب في ذلك فقال هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي اللّه تعالى جلسة ، أو وقف وقفه في معاملته ، فخطر على قلبه خاطر شهوة ؟
فقالوا : قد يصيبنا ذلك ، فقال : لو رضيت في عمرى كله بمثل حالكم في وقت واحد ما تزوجت قط ، ولكن ما خطر على قلبي خاطر شهوة قط شغلني عن حالي إلا نفذته لأستريح منه وأرجع إلى شغلى . ثم قال : منذ أربعين سنة ما خطر على قلبي خاطر معصية .
فالصادقون ما دخلوا في النكاح إلا على بصيرة ، وقصدوا حسن مواد النفس .
وقد يكون للأقوياء والعلماء الراسخين في العلم أحوال في دخولهم في النكاح تختص بهم ، وذلك أنهم بعد طول المجاهدات والمراقبات والرياضات تطمئن نفوسهم ، وتقبل قلوبهم ، وللقلوب إقبال وإدبار .
يقول بعضهم : إن للقلوب إقبالا وإدبارا ، فإذا أدبرت روحت بالإرفاق ، وإذا أقبلت ردت إلى الميثاق ، فتبقى قلوبهم دائمة الإقبال إلا اليسير ، ولا يدوم إقبالها إلا لطمأنينة النفوس ، وكفها عن المنازعة ، وترك التشبث في القلوب .
فإذا اطمأنت النفوس واستقرت من طيشها ونفورها وشراستها ، توفرت عليها حقوقها ، وربما يصير من حقوقها حظوظها ، لأن في أداء الحق إقناعا ، وفي أخذ الحظ اتساعا ، وهذا من دقيق علم الصوفية ، فإنهم يتسعون بالنكاح المباح إيصالا إلى النفس حظوظها ، لأنها ما زالت تخالف هواها حتى صار داؤها دواءها ، وصارت الشهوات المباحة واللذات المشروعة لا تضرها ولا تفتر عليها عزائمها .
عوارف المعارف — صفحة 186
مساهمون: عمر السهروردي
ص١٨٦