يقصر إذا عمل ، ويبالغ إذا سأل ! إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، وسوّف التوبة ، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة . يصف العبرة ولا يعتبر ، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ ، فهو بالقول مدلّ ، ومن العمل مقلّ . ينافس فيما يفنى ، ويسامح فيما يبقى ، يرى الغنم مغرما والغرم مغنما .
يخشى الموت ولا يبادر الفوت . يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه . ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن ، اللّهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره . يرشد غيره ، ويغوي نفسه ! فهو يطاع ويعصي ويستوفي ولا يوفي ، ويخشى الخلق في غير ربه ، ولا يخشى ربه في خلقه « 1 » .
القدوة وأثرها في البناء الأخلاقي :
1 - القدوة الصالحة : كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه ، وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد .
وكان أكثر دهره صامتا ، فإن قال بذّ القائلين ، ونقع غليل السائلين ، وكان ضعيفا مسضعفا ، فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب وصلّ واد لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا .
وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره . وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه . وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل . وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت . وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم .
وكان إذا بدهه أمران ينظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه .
فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير « 2 » « 3 » .
هامش
( 1 ) خطبة : 142 .
( 2 ) اختلف الشراح في من هو هذا الأخ المشار إليه ؟ فقال قوم : هو رسول الله صلى اللّه عليه وآله سلّم واستبعده قوم لقوله :
« وكان ضعيفا مستضعفا » فإن النبي صلى اللّه عليه وآله سلّم لا يقال في صفاته مثل هذه الكتاب ، وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسماحة أخلاقه ، إلا أنها غير لائقة به . وقيل أنه أبو ذر الغفاري واستبعده البعض لقوله :
فإن جاء الجد فهو ليث عاد ، وصل واد ، ويحتمل أن يكون مقصوده شخصا آخر ، وقيل هو المقداد بن عمر وقال قوم : إنه ليس شخصا معينا وهو كلام دارج عند العرب مثل قولهم في الشعر : يا صاحبي :
وهو الأقوى عند الكثير من الشراح منهم ابن أبي الحديد في 19 / 184 ، ومما يؤكد ذلك هو إن الإمام يقرّ هنا مبدء ويرسم قدوة صالحة اجتمعت فيها كل الفضائل .
( 3 ) حكمة : 290 .