والحق ما ذكره صاحب الجواهر ( ت 1266 ه ) من أن من أنكر التواتر منا ومن القوم خلق كثير ، بل ربما نسب إلى أكثر قدمائهم تجويز العمل بها وبغيرها ، لعدم تواترها ، يؤيده أن من لاحظ ما في كتب القراءة المشتملة على ذكر القراء السبعة ومن تلمذ عليهم ومن تلمذوا عليه يعلم أنه من التواتر بمعزل ، إذ أقصى ما يذكر لكل واحد منهما واحد أو اثنان ، على أن تواتر الجميع يمنع من استقلال كل من هؤلاء بقراءة بحيث يمنع الناس عن القراءة بغيرها . [ الجواهر 9 / 395 ] .
ووجه ابن الجزري ( ت 833 ه ) نسبة القراءات إلى أصحابها بما لا يخلو من تعسف فقال : « إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به ، فآثره على غيره ، ودوام عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به ، وقصد فيه ، وأخذ عنه ؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء وهذه الإضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد . [ البشر 1 / 52 ] .
وقد أصر ابن الجزري ( ت 833 ه ) في [ النشر 1 / 45 ] على أن التواتر لا يختص بالقراءات السبع بل يعم القراءات العشر معللا موافقتها مع رسم المصحف ثم نقل كلام جرى بينه وبين قاضي القضاة أبي نصر عبد الوهاب هذا نصه : « ( وقد جرى ) بيني وبينه في ذلك كلام كثير وقلت له ينبغي أن تقول والعشر متواترة ولا بد ، فقال أردنا التنبيه على الخلاف فقلت وأين الخلاف وأين القائل به ومن قال إن قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف غير متواترة ؟ فقال : يفهم من قول ابن الحاجب « والسبع متواترة » فقلت : أي سبع ؟ وعلى تقدير أن يكون هؤلاء السبعة - مع أن كلام ابن الحاجب لا يدل عليه - فقراءة خلف لا تخرج عن قراءة أحد منهم بل ولا عن قراءة الكوفيين في حرف فكيف يقول أحد بعدم تواترها مع ادعائه تواتر السبع ؟ وأيضا فلو قلنا إنه يعني هؤلاء السبعة فمن أي رواية ؟ ومن أي طريق ؟ ومن أي كتاب ؟ إذ التخصيص لم يدعه ابن الحاجب ولو ادعاه لما سلم له ؛ بقي الإطلاق فيكون كلما جاء عن السبعة . فقراءة يعقوب جاءت عن عاصم وأبي عمر وأبو جعفر هو شيخ نافع ولا يخرج عن السبعة . [ النشر 1 / 45 ] .
فإن السؤال يبقى بلا جواب عن أي رواية ؟ ومن أي طريق يكون التواتر إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ فإن من الواضح أن القراءات السبع تختلف رواياتها وطرقها مما يغير المعنى كما يغير اللفظ مثلا : من موارد الاختلاف في القراءة كثيرة مع سلامة النص المكتوب ومنها « ملّك » و « ملك » ومنها « يطهرن » و « يطّهرن » ومنها « باعد » و « باعد » « ننشرها » « ننشزها » ومن
دراسه حول القرآن الكريم — صفحة 324
مساهمون: محمد حسين الحسيني الجلالي
ص٣٢٤