ويطرح جانبا مفهوم « اللفظ » الذي قصد به ما نحاه الجاحظ على الأغلب ، فعنى به هنا الصيغة الفنية كلها أو ما ندعوه في عصرنا بالشكل ، خصوصا أنه لم يقبل بالإفراد : لفظة أو ألفاظ ، ولكن يبقى لنا من عبارته ما يكون « أدعى للسمع » ولعله يريد الصورة الأولى للنص ، من حيث حلاوة النغم والبناء الداخلي للمفردات ، أي ما يتعلق بالسمع قبل ميل النفس إلى جليل المحتوى ، ولا نتكئ حتما على قول عابر ، لنعبّر عن تزحزح الجرجاني عن مزايا النظم وطواعيته للنحو .
لم يخرج المعاصرون على نظرية عبد القاهر ، ولم يحاولوا إبطالها ، خصوصا أن المناهج الأسلوبية اليوم تؤكد صحة دعواه وتحض على منهجه الموضوعي ، فقد أقر المعاصرون بنظريته ولكن بيّنوا الجوانب التي أغفلها ، فثمة عملية تكميل لا تدعي تقديم الوحدة بديلا من البناء خصوصا أن النهج النقدي الأعم اليوم لا يرى للمفردة قيمة من غير علاقات ، أو خارج العلمية التركيبية والأنساق ، فأضافوا إلى جمال نظريته جمال المفردة ضامّين إياه إلى السياق الكلي ، ومعظم المعاصرين ينتقده من الجانب الشكلي للمفردة أي ما يتصل بالأصوات ، وهذا ما سيتضح في فصول لاحقه ، إذ نسرد جهود الدارسين في الجمال السمعي للمفردات القرآنية .
وكان الدكتور أحمد بدوي صاحب النظرات المتفردة في كتابه ، كان من الذين طبقوا فكرتهم على شواهد الجرجاني ، إذ تطلّع إلى الآية الكريمة :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[ هود : 44 ] ، وقال :
« وجاء بكلمة « بعدا » دون هلاكا مثلا ، إشارة إلى أن هؤلاء القوم الظالمين إنما قصد إبعادهم عن الفساد . . وأحس في كلمة « بعدا » دلالة على الراحة