ومما يسترعي الانتباه أن يسخر من المتشدقين والمطنبين من الخطباء قائلا : « وأن يستعمل اللفظ الغريب والكلمة الوحشية » « 1 » ، فهو يقرّ بجمال المفردات المأنوسة ويستنكر الوحشية الوعرة ، ولهذه السلبية التي يذكرها مقابل إيجابي في القرآن حريّ بالدراسة لكنه لم يذكر تطبيقا من هذا النوع خشية الخروج عن دائرة النظم في منظوره .
وقد رأي الدكتور عبد اللّه الطيّب المجذوب هذه العبارة السابقة وأمثالها مدعاة لوصفه بالتناقض الجرجاني إذ يقول : « يؤخذ على عبد القاهر أن في كلامه نوعا من التناقض ، بين حيث أنه يسلّم بأن الكلمات منها الغريب الوحشي ، ومنها الذي يكدّ اللسان ، ثم ينفي مع هذا كلّه أن تكون الكلمات متفاضلة غير متساوية قبل أن يشملها النظم » « 2 » .
ونخلص مما سبق إلى أن الجرجاني - كما يبدو لنا - لم ينف مراعاة السمع كليا ، بل جعل الأمر ثانويا مكمّلا ، بالنسبة إلى ما أجهد نفسه في الدفاع عنه ، فقدّم حصيلة بيانية جيّدة مما يعد ركيزة عربية لفكرة البنيوية العربية .
ونحن نقرأ في رسالته الشافية ما ينمّ على قانون ذوقي ذاتي لا يميل إلى الموضوعية كما في شرحه في النظم فقال : « واعلم أن لكل معنى نوعا من اللفظ هو أخصّ به وأولى ، وضربا من العبارة ، هو بتأديته أقوم ، وهي فيه أجلى وما إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب وبالقول أخلق ، وكان للسمع أدعى ، والنفس إليه أميل » « 3 » .
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز ، ص 5 .
( 2 ) المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها : 2 / 10 .
( 3 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 107 .