ومن شواهده على أن المضمون مسخّر لأجل الشكل قوله تعالى :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
[ الضحى : 6 ] ، يقول : « يراد به فأغناك وآواك ، فجرى على طرح الكاف ، لمشاكلة رؤوس الآيات ، ولأن المعنى معروف » « 1 » .
وهو لا يوضح لنا تعاضد الشكل والمضمون ، كما أنه لا يشير إلى جمال هذا التنغيم الذي هو علة الحذف ، ولا يعطيه حقه من التبيان والتعليل ، وكأنه يريد أن يرجّح العلة الشكلية فحسب ، وهذا أمر عظيم خطير يوحي بأن ثمة صيغة كانت مقدّمة على ما وجد .
وللحذف في رأينا دلائل معنوية ، إذ ليس يقتصر الأمر على الرنة الموسيقية ، قال عز وجل :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ
[ الزمر : 17 ] ، وقال على لسان مؤمن آل فرعون :
وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ
[ غافر : 32 ] ، فللحذف دلائل تتصل بالموقف ، إذ حذفت الياء من العباد ، للدلالة على سرعة هؤلاء البررة إلى العبادة وسرعة الثواب ، في حين حذفت الياء من التنادي ، للدلالة على سرعة هذا المتكلم المؤمن ، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار حذف الياء من ( قومي ) ، وفي الفاصلة بعد آخر للحذف ، وهو الإشارة إلى سرعة التنادي وتحصيل الأمور يوم القيامة .
والوعيد يشتمل بالسبب على العقاب وهو سريع ، ولذلك أشير إلى هذه السرعة بحذف ياء المتكلم فقال عز وجل :
وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
[ ق : 14 ] ، وقال :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 54 ] .
فنخلص بعد هذا ومثله كثير في البيان القرآني إلى أن للحذف دلائل
هامش
( 1 ) معاني القرآن : 3 / 274 .