فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ النحل : 109 ] ، وفي مكان آخر قوله عز وجل :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
[ هود : 22 ] .
وثمة أسباب أربعة لهذا التغير ، الأول : أو كلمة « الأخسرون » وردت في وصف قوم افتروا على اللّه كذبا فصدوا وصدوا غيرهم عن الدين ، فاستحقوا تضعيف العذاب ، إذ ضلوا وأضلّوا فهذا يوجب الزيادة في المعنى ، فاجتماع المعنى الذي .
والسبب الثاني أن آية النحل لا تصور كفارا أضلوا غيرهم ، فلم يذكر في وصفهم ما يوجب مضاعفة العذاب ، ثم كانت الفواصل التي حملت هذه عليها « الكافرين » « الغافلين » فاقتضى هذا الشيئان أن يقال « هم الخاسرون » « 1 » .
والسبب الثالث ينتبه إليه ابن الزبير وهو أن « الأخسرون » وردت في سياق دال على المفاضلة ، إذ ورد قبلها
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ هود : 18 ] ، مما يناسب صيغة المفاضلة في « أخسرون » .
أما « الخاسرون » فلم تسبق بمفاضلة ، فقد سبقت بقوله تبارك وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
[ النحل :
104 - 105 ] فليس ثمة مفاضلة لا في اللفظ ولا في المعنى « 2 » .
والسبب الرابع أن « الأخسرون » وردت في سياقها عبارة
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
[ هود : 26 ] ، أما وقد وردت كلمة « خسروا » فالأولى عند تكرار صيغة من المادة ذاتها أن تكون أشدّ منها توكيدا ، وهذا التوكيد
هامش
( 1 ) راجع : درة التنزيل المنسوب للخطيب الإسكافي ، ص / 319 - 220 ، والبرهان في توجيه متشابه القرآن ، للكرماني ، ص / 97 ، وسر الإعجاز ، د . عودة اللّه منيع القيسي ، ص / 151 - 152 .
( 2 ) انظر : ملاك التأويل ، ابن الزبير : 2 / 651 - 652 ، وسر الإعجاز ص / 152 .