وقد يبتعد التذوق الفني بالزمخشري في بعض المواقف عن الصواب ومن هذا وقفته التي هي أعلق بالنظم لدى تفسيره للآية الكريمة :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : 96 ] في وصف اليهود .
فهو يقول عن تنكير حياة : « أراد حياة مخصوصة ، وهي الحياة المتطاولة ، لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس » « 1 » .
ولا نجد أن تعليله يناسب المقام وسياق وصف الأخلاق اليهودية وتسفّلها ، فلا يكون ذمهم في طول الحياة . ونلمح في التنكير إشارة إلى شذوذ حياتهم ، فعدم التعريف يعني بأن حياتهم نكرة غير معروفة شاذة عن الحياة السوية ، كما أن التنوين يفيد قطع الحياة الذي لا ينتبه إليه هؤلاء الكفرة .
ويمكن أن نجد إيحاء هذا التنكير عند الدكتور حسن ضياء الدين عتر .
إذ يقول : « يورد الكتاب المبين الألفاظ موارد حساسة ، فلا تراها قاصرة على المعنى المتبادر منها للبال عادة ، بل تتسع دلالتها ، حتى توحي بمعنى أجلّ وأدقّ ، خذ كلمة « حياة » أنت تشعر بأن كلمة « حياة » قد عبّرت بدقة مرهفة عن حرص أولئك اليهود على أدنى قدر ممكن من الحياة ، ومهما كان يسيرا خاويا من أية قيمة كريمة ، فأثار ورودها بالتنكير معنى التحقير ، وأفادت بالتالي أن اليهود أشدّ حرصا على الحياة المتطاولة من باب أولى ، فعبّرت كلمة « حياة في هذا المورد بآن واحد عن ضآلة قيمة هذه الحياة الدنيا وشدة تكالب اليهود عليها » « 2 » .
وفي المتشابه اللفظي ما يثير الإعجاب من التكرار والتنوع الذي يوائم خصوصية موقف دون غيره ، ومن هذا قوله عز وجل :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 298 .
( 2 ) بيّنات المعجزة الخالدة ، ص / 253 .