ناصف : « ويمكن السر - واللّه أعلم - في هذا التحالف البادي بين الأمر وجوابه ، ولو جاء على وجه الوفاق والمطابقة لكانت الطاعة حينئذ حاصلة من السماء والأرض لا غير ، فإليهما وحدهما كان الأمر بالطاعة ، لكن تحالف الأمر وجوابه على هذا النحو يشير إشارة لطيفة إلى أن الطاعة لن تكون منهما وحدهما ، بل منهما ومن كل من فيهما : السماء بالملائكة في ملئها وبالنجوم والكواكب في عالمها ، والأرض بمن فيها من الإنس والجن ، وبكل ما تحمل على ظهرها من شيء » « 1 » .
ولكن لا نعرف ماهية السماء والأرض في بدء الخليقة ، فهل كانتا تحويان هذه المخلوقات ، خصوصا أن قضى بعد ذلك سماوات أخرى متابعا الخلق ، فهل نظن بوجود الإنسان قبل خلق سائر السماوات ؟
ويمكن أن تدل الكلمة في حال إفراد على الجمع ، لكونها اسم جنس ، كما في الآية الكريمة :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[ لقمان : 27 ] ، فنرى أن الإفراد لا يقتصر على الجنس ليفيد كل شجرة ، بل لينتبه أولا المشاهد إلى شجرة واحدة ، ليفهم تقنية التحول إلى أقلام ومن ثم يتسع المدى المرئي شيئا فشيئا مع التقصّي إذ يتصور كل الأشجار .
يقول الزمخشري : « فإن قلت : لم قيل « من شجرة » على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر ؟ قلت : أريد تفصيل الشجر وتقصّيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا بريت أقلاما » « 2 » .
ويفرّق الزمخشري بين الحجرة والحجرات ، وبين ما جاء في القرآن الكريم من خلال منظور نفسي تهذيبي ، كما في الآية الكريمة :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ الحجرات : 4 ] .
هامش
( 1 ) مع القرآن الكريم ، ص / 131 .
( 2 ) الكشاف : 3 / 396 .