وقوله عز من قائل :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[ القمر : 52 ] والزبر كتب الحفظة من الملائكة .
ونذكر من شواهد السورة نفسها :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
[ القمر : 21 ] وقوله عز وجل :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 45 ] .
وهو يريد أن يقول : إن الكسرة والفتحة حركتان خفيفتان ، بخلاف الضمة ، فهي حركة ثقيلة ، وتلك القضية الصوتية تشهد بها عملية نطق الضمة التي هي واو صغيرة ، يكون للشفاه انكماش لدى نطقها .
والملحوظ أن ابن الأثير ركّز على توالي الضمة في كلمات هي فواصل ، فالإحساس بالضم يكون قويا لعدم درج الكلام ، فالوقف يقوي من الشعور بالضمتين ومع هذا فهما سهلتان في النطق ، فليس العدد هو المعتبر .
وتأكيدا على هذا نذكر قوله عز وجل
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
[ الأعراف : 101 ] فقد توالت أربع ضمات في كلمة « رسلهم » سهّل تواصل الكلام وجودها .
والكلمة بقوتها هذه توحي إلى شدة الإنذار ، فهي نبرة غضب على الأمم البائدة التي لم تستجب للحق ، فإن الرسل أقصى غاية لتوصيل الحق بوساطة الرسائل السماوية إن لم ينفع النظر في الكون للدلالة على خالقه ، لذلك جاءت هذه الكلمة وحدها بهذه الضمات المتوالية وكأنها صرخة في وجوه الكفرة .
وقد عاد ابن الأثير إلى سورة القمر ونهل منها شواهده ، ولكن المرء يؤكد فكرة عظيمة تتصل بجانب العقيدة بمجرد وجود آية تثبت صحة ما يذهب إليه ، وهنا يعدّ القرآن الكريم الدليل النقلي العقلي القاطع ، فإذا أراد أن يثبت وجود الملائكة والجن يعود إلى آي القرآن الكريم ، ليتخذ منها براهينه الجلية ، ذلك لأن العقل لا يشك في صحة كلام القرآن