وقد انتبه البارزي إلى ثقل الشّدّة على الواو ، وكذلك عبّر عن إحساس بالبنية الداخلية ، فإن مادة ( خلق ) تعاد في مخلوق ، لكنّه يستقبح الوقوف على القاف بعد مدّ الواو ، وكأنه لمس شدّة تسكين الفاء الحرف الشّفويّ الذي يخرج من باطن الشّفة السّفلى وأطراف الثّنايا العليا ، ولتفادي النّبر القاسي عند الوقوف عليها كان وجود « خير » لا أفضل .
وكذلك تتعدّى نظرته ماهية الصوت إلى ميزة أخرى ، وهي نوعية الحركة ، فالفاء قاسية اللفظ في « أفضل » وليست بقاسية في قوله تعالى :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] ، وذلك لاستراحة الشّفاه مع الكسرة .
وفي الموضع نفسه يرى البارزي أن الاختصار الذي يكون في المجاز ، والتطويل الذي يكون في الحقيقة ، ما يجعلنا نحبّذ لفظة « آسفونا » في قوله تبارك وتعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[ الزخرف :
55 ] فهو يقول : « أحسن من فلمّا عاملونا معاملة الغضب ، أو « فلمّا أتوا إلينا بما يأتيه المغضب » .
والحق أن هذه المفردة تنم عن سموّ في التعبير عن فواحش هؤلاء القوم ، وتتخذ طابعا تهذيبيا يصدر عن الخالق ، كما أن مما فات البارزي هنا الجمال الموسيقى في الخفّة التي تحدّث عنها ، فيجب أن نعقّب على رأيه بأن هذا الفعل يمتاز بثلاثة مدود ، وخفّفت النّون بالمدّ ، وكذلك خفّفت الفاء بالمدّ ، بالإضافة إلى حرف السين الهامس الدّالّ على الرّقّة .
لقد انتبه البارزي إلى كمية وجود المفردة في القرآن الذي يميل إلى الخفّة ، فكان من الجدّة في نظرته هذا الإحصاء الذي احتاط فيه من التعميم المغالط ، بيد أنه يخطئ في وقوف مبتور عن سائر السور أحيانا ، فليس من المعقول أن يقول امرؤ بخفّة كلمة « تتلو » وثقل « تقرأ » ووجود الأخيرة في القرآن أكثر من الأولى .