والكتاب ، مما أحصاه العلماء ، وكانت الكلمة الأولى من الوحي « اقرأ » في الآية :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
[ العلق : 1 ] وقد اشتقّت كلمة « القرآن » من القراءة ، فهي تتطلب السمع ، وحضّ القرآن على استعمال حاستي السمع والبصر ، وهما وسيلتا تذوّق الجمال مثل قوله
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] ، وقوله عزّ وجلّ :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
[ السجدة : 9 ] .
وليس ما استنبطه علماء التجويد إلا أصلا في قراءة العربية ، وقد قال السيوطي : « إن العرب لا تنطق بكلامها إلا مجوّدا » « 1 » ، وقد استخلص عبد العزيز بن عبد الفتاح قواعد التجويد من جهود السّلف ، ووضع مصنفا قال في مقدمته : « والمقصود الرئيسي خدمة القرآن الكريم ، والتوصل إلى النطق العربي النبوي الفصيح بكتاب اللّه ، وليعلم كلّ من درس هذا العلم ، أو قام بتدريسه أنه - وإن كان يعتمد على النقل والرواية فحسب ، إلا أن مصدره ومرجعه في الحقيقة الذوق العربيّ الفصيح » « 2 » .
فالتجويد ليس شيئا إضافيا أو زركشة لتزيين كلمات القرآن ، فهو إعطاء الحرف حقّه في الأداء ، وبما أن النسق القرآني فريد النوع ، فقد كانت قواعد التجويد بالغة الأهمية ، لأنها تبرز جمالا سمعيا غير معهود ، كما أن مراعاة قوانين التجويد مراعاة للعربية التي هي المادة الصوتية لهذا الكتاب العظيم ، وهي لغة تستبعد بطبيعتها الوعورة والثّقل ، فقد اختار الناطق بها كلّ سهل مستساغ ، وكان القرآن الكريم اختيارا آخر ، ولهذا كانت آياته إعجازا لهم ، لأنّه يفوقهم في هذا المجال بمراعاة دقائق فنية موسيقية ، وهي ما يدعى بالموسيقى الداخلية ، ومن الجهل أن يعدّ التجويد زركشة ، ذلك لأن الذوق والقانون الصوتي متلازمان .
هامش
( 1 ) المزهر في علوم اللغة ، السيوطي : 1 / 146 .
( 2 ) قواعد التجويد ، عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ ، المقدمة ص / 1 - 2 .