مشهد قطع المسافات الشاسعة والهرب من الحيوان المفترس فهنا لقطة بعيدة فالجمع يزيد من التعبير عن الخوف ويجلّي مشاعر الابتعاد والنأي عن الاستجابة للدين القويم .
أما آية الجمعة فقد جاء فيها الحمار في حال الإفراد ، لكي ينصب البصر والاهتمام على جزئية معينة ، وهي لقطة قريبة تجلّي جزئية ذات توتر نفسي ، فنرى لا مبالاة الحمار التي لا نراها من بعيد ، ونرى مشهد الكتب المتراكمة فوقه ، فاللقطة البعيدة لا تفيد في رسم القسمات الدقيقة ، بل إن الإفراد يلمح إلى أن الانطلاق مع العلم أو المكوث مع الجهل أمر شخصي فردي ، في حين أن المخاوف مشاعر جماعية ، قد يسببها التجمع ، وأن كل فرد يفلّ عزيمة قرينه بالركض والهرب .
بل إن للجمع جمالية أخرى ، وهي ما لفت النظر إليه الدكتور نور الدين عتر عند تلمّس جمال التعبير في الصيغة ، إذ يقول في تفسير الآية :
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
[ لقمان : 19 ] : « صورة منفرة غاية التنفير ، تزيدها بشاعة صيغة الجمع « الحمير » ، وتوحيد كلمة « صوت » الذي يدل على صوت هذا الجنس البالغ غاية القبح بسبب ارتفاعه وصخبه » « 1 » ، وثمة مقابلة بين صوت وأصوات ، مما يعني منع سيطرة الفرد على الجماعة ، وأن الفاعل يغدو ممتلكا حجم أصوات ويغدو بعدئذ كالحمار في صوته .
والملحوظ أن البيان القرآني يمهد لدخول المشبه به مما يعد عاملا في ثباته واستحقاقه للموقف ، وهذا ما نبّه عليه الدكتور أحمد بدوي بإزاء الآية الكريمة :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ الأعراف : 179 ] .
هامش
( 1 ) في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز ، د . نور الدين عتر ، ص / 83 .