أمواتا ، وهم جثث طوال عظام ، كأنهم أعجاز نخل ، لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم ، فتبقى أجسادا بلا رؤوس » « 1 » .
والملحوظ هنا وفي الآية الأخرى :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
[ الحاقة : 7 ] ، أنهم قرنوا بما هو دون وأسفل من النبات ، مما يومئ إلى دونية الإنسان الكافر بين المجتمع وابتعاده عن الخيرية التي يرمز إليها باخضرار النبات في الأعلى مع السّعف ، بل إن لون الجذور والسوق القاتم يرمز إلى ظلمة نفوس الكفرة وجهلهم ، ويرمز إلى غلاظة أخلاقهم بين الناس وسلوكهم الذي يثقل على المجتمع كما يثقل حمل هذه الأعجاز ، وإذا كان الجمال في الثبات فقد انقلعت وصارت في غير مكانها عثرة في طريق المارّين ، فضلا عن كونها لا تنفع .
ومن النبات ما يتضح فيه الجمود وانقطاع الخيرية كما في قوله عز وجل في وصف المنافقين :
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
[ المنافقون : 41 ] ، قال ابن ناقيا البغدادي ( - 485 ه ) : « شبّههم بخشب نخرة متآكلة دخلة ، إلا أنها مسندة يحسب من رآها أنها صحيحة سليمة » « 2 » .
هذه الآية تشير إلى تناقض الشكل والمضمون الذي طالما تحدث عن وجوده القرآن الكريم في تصرفات المنافقين بأساليب متعددة ، فأجسامهم تعجب ، وألسنتهم عذبة الكلمات وفي خبايا نفوسهم سموم ومكر مستقر ، وقد أفاد البيان بإحكام الصورة أن هذه الأخشاب خالية من النفع ، ولهذا أسندت إلى الحائط ، والعلم الحديث اليوم يؤكد أن الخشب لا تتحرك فيه الذرات كسائر الأجسام ، ولهذا فهو جسم عازل .
وقال الزمخشري : « لأن الخشب إذ انتفع به كان في سقف أو جدار أو
هامش
( 1 ) الكشاف : 3 / 184 ، وانظر : مدارك التنزيل للنسفي : 4 / 203 .
( 2 ) الجمان ، ص / 243 .