فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
[ آل عمران : 185 ] ، فأشار إلى تجسيم الحركة المتكررة تبعا لتكرر الحروف ، وهو يقرر هنا ما جاء به فقهاء اللغة من غير إسقاط شخصي ، إذ يقول : « الزحزحة التّنحية والإبعاد تكرير الزحّ ، وهو الجذب بعجلة » « 1 » .
ولكنه لا يذكر شيئا من هذا إزاء الآية الكريمة :
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
[ يوسف : 51 ] أي توضّع الحق ، فالأمر لا يطرد في كل مفردة تكررت حروفها ، بل لا يوجد حركة حسية هنا ، إذ الأمر ذهني .
وفي الآية الكريمة :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ
[ الشعراء : 94 ] ، إنه يتملى الآية بذوق رفيع ، ويكاد يفوق المعاصرين لكونه يذكر سبب تكرير الحركة ، إذ يقول : « الكبكبة تكرير الكب ، وجعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى ، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكبّ مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها » « 2 » .
ونضيف إلى كلامه أن انضمام الشفتين ثلاث مرات في هذه المفردة « كبكبوا » مرة على الكاف لوجود الضم يصور حركة تكوير الكافر وهو يتدحرج في أعماق جهنم حتى يصل إلى القعر ، ويتجمع جسده كالكرة ، وهذا كما تتجمع الشفاة في لفظ هذه المفردة .
والجدير بالذكر أن اقتصار الدارسين القدامى على تجسيم تكرير الحركة جعل المادة المدروسة ضئيلة ، فلا نقع في كتبهم إلا على النذر القليل ، وهو يرتكز على الحروف ، وليس على الحركات ، أما المعاصرون فقد تكلموا على الرسم بالحرف والحركة ، ورسم الحركة البطيئة والقوية والمتكررة .
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 485 .
( 2 ) الكشاف : 3 / 119 .