تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الرماني بدافع الانتقام الذي جعل النار الكائن الجماد عاقلة أشركت في مهمة قصد العذاب . وتدل آية الفرقان على أن هذا الصوت الآدمي قوي جدا ما دام الوسيط المكاني متسعا
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
وهذا يزيد في الترويع ، خصوصا أنها تقصدهم «
رَأَتْهُمْ
فهي فاعلة لا منفعلة ، ويؤكد البيان القرآني هذه الفاعلية بالضمير
لَها
أي ليس لغيرها ، وهذا توكيد باتصافها بهذه الأوصاف من غيظ وشهيق وزفير . والناظر المتمعن في الآيتين يجد أن كلمتي
شَهِيقاً
و « زفيرا » تدلان على عمق هذه النار وبعد أحشائها الملتهبة التي تنتظر بحنق مجيء العصاة ، كذلك يدل فعل
تَفُورُ
على باطن النار وعمقها البعيد ، كما يدل الفعل
سَمِعُوا
بمضيّه على سرعة السمع ما داموا محوطين بصوتها المهول ، أما الفعل
تَمَيَّزُ
فقد حذف منه التاء إذ الأصل تتميز ، والحذف في اللفظ للسرعة به ، وهو يومئ إلى سرعة الحدث فكأنها شخص مغتاظ يكاد يقطع أعضاءه غيظا ، والغيظ يلهب المشاعر والجسد فكيف إذا كان من اللهيب ذاته ، وهذا مما لا يحيط به خيال . كذلك تبدو الأرض امرأة تطلب الزينة في قوله عز وجل :
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً
[ يونس : 24 ] ، ويقف الدكتور صبحي الصالح عند المفردة المشخصة ويقول : « أما الأرض فشخصت مرتين ، وقامت بحركتين ، إذ أخذت بنفسها زخرفها ، كما تفعل العروس يوم جلوتها ، وتطلب الزينة تطلبا ، وسعت إليها سعيا ، فلم تزيّن ، ولكنها ازينت » « 1 » .
هامش
( 1 ) مباحث في علوم القرآن ، ص 326 .