وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده * ولا القول مرفوع بجد ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي * أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل
ولكن قضاء ليس يسطاع دفعه * بحيلة ذي دهي ولا فكر ذي عقل
620 - [ الأعراب أشعر من أهل الأمصار ]
والقضية التي لا أحتشم منها ، ولا أهاب الخصومة فيها : أنّ عامّة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب ، أشعر من عامّة شعراء الأمصار والقرى ، من المولدة والنابتة . وليس ذلك بواجب لهم في كلّ ما قالوه .
وقد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولّدين ، ويستسقطون من رواها ولم أر ذلك قطّ إلّا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى . ولو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان ، وفي أيّ زمان كان .
وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ، ونحن في المسجد يوم الجمعة ، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتّى كتبهما له .
وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا . ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك ؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا ، وهما قوله [ 1 ] : [ من السريع ]
لا تحسبنّ الموت موت البلى * فإنّما الموت سؤال الرّجال
كلاهما موت ولكنّ ذا * أفظع من ذاك لذلّ السّؤال
621 - [ القول في المعنى واللفظ ]
وذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى ، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ ، والبدويّ والقروي ، والمدنيّ . وإنّما الشأن في إقامة الوزن ، وتخيّر اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك ، فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النّسج ، وجنس من التّصوير .
وقد قيل للخليل بن أحمد : ما لك لا تقول الشّعر ؟ قال : « الذي يجيئني لا أرضاه ، والذي أرضاه لا يجيئني » [ 2 ] .
هامش
[ 1 ] البيان بلا نسبة في البيان والتبيين 2 / 171 .
[ 2 ] نسب هذا القول إلى ابن المقفع في البيان والتبيين 1 / 208 .