287 - [ رجع القول إلى مفاخر الكلب ]
ثمّ رجع بنا القول إلى مفاخر الكلب ، ونبدأ بكلّ ما أشبه فيه الكلب الأسود والإنسان ؛ وبشيء من صفات العظال .
قال صاحب المنطق ( في كتابه الذي يقال له الحيوان ، في موضع ذكر فيه الأسد ) قال : إذا ضرب الأسد بمخالبه ، رأيت موضع آثار مخالبه في أقدار شرط الحجّام أو أزيد قليلا ، إلّا أنّه من داخل أوسع خرزا ، كأنّ الجلد ينضمّ على سم مخالبه ، فيأكل ما هنالك . فأمّا عضّته فإنّ دواءها دواء عضّة الكلب .
قال : وممّا أشبه فيه الكلب الأسد انطباق أسنانه . وممّا أشبه فيه الكلب الأسد النّهم ، فإنّ الأسد يأكل أكلا شديدا ، ويمضغ مضغا متداركا ، ويبتلع البضع « 1 » الكبار ، من حاقّ الرغبة « 2 » ومن الحرص ، وكالذي يخاف الفوت . ولما نازع السّنّور من شبهه صار إذا ألقيت له قطعة لحم فإمّا أن يحملها أو يأكلها حيث لا تراه ؛ وإمّا أن يأكلها وهو يكثر التلفّت ، وإن لم يكن بحضرته سنّور ينازعه ، والكلب يعضّ على العظم ليرضّه ، فإن مانعه شيء وكان مما يسيغه ، ابتلعه وهو واثق بأنّه يستمريه ويسيغه .
والنّهم يعرض للحيّات ، والحيّة لا تمضغ ، وإنما تبتلع ذوات الرّاسات « 3 » ، وهي غير ذوات الأنياب ، فإنّها تمضغ المضغة والمضغتين وإن ابتلعت شيئا فيه عظم أتت عودا شاخصا فالتوت عليه ، فحطمت العظم ، والحيّة قويّة جدا .
قال : والأسد وإن كان ممّا لا يفارق الغياض ولا يفارق الماء فإنّه قليل الشرب للماء ، وليس يلقى رجعه إلّا مرة في اليوم ، وربّما كان في اليومين والثلاثة . ورجعه يابس شديد اليبس متعلّق ، شبيه برجيع الكلب . ويشبهه أيضا من جهة أخرى وذلك أنّهما جميعا إذا بالا شغرا « 4 » .
والكلب من أسماء الأسد ، لقرابة ما بينه وبين الكلب .
والكلب يشبه الخنزير ، فإنّ الخنزير يسمن في أسبوع ، وإن جاع أيّاما ثم شبع شبعة تبيّن ذلك تبيّنا ظاهرا . ألا تراه ينزع إلى محاسن الحيوان ، ويشبه أشراف السباع وكرائم البهائم ؟ !
هامش
( 1 ) البضع : جمع بضعة ، وهي القطعة من اللحم .
( 2 ) حاق الرغبة : شدتها .
( 3 ) الراسات : جمع رأس ، وهو جمع غريب أتى به الجاحظ .
( 4 ) شغر : رفع إحدى رجليه .