15 - [ أقسام البيان ووسائله ]
وجعل البيان على أربعة أقسام : لفظ ، وخطّ ، وعقد « 1 » ، وإشارة ، وجعل بيان الدليل الذي لا يستدلّ تمكينه المستدلّ من نفسه ، واقتياده كلّ من فكّر فيه إلى معرفة ما استخزن من البرهان ، وحشي من الدّلالة ، وأودع من عجيب الحكمة .
فالأجسام الخرس الصامتة ، ناطقة من جهة الدّلالة ، ومعربة من جهة صحّة الشهادة ، على أنّ الذي فيها من التدبير والحكمة ، مخبر لمن استخبره ، وناطق لمن استنطقه ، كما خبّر الهزال وكسوف اللون ، عن سوء الحال ، وكما ينطق السّمن وحسن النّضرة ، عن حسن الحال . وقد قال الشاعر وهو نصيب : [ من الطويل ]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب « 2 »
وقال آخر : [ من الوافر ]
متى تك في عدوّ أو صديق * تخبّرك العيون عن القلوب
وقد قال العكليّ في صدق شمّ الذّئب وفي شدّة حسّه واسترواحه : [ من الرجز ]
يستخبر الريح إذا لم يسمع * بمثل مقراع الصّفا الموقّع « 3 »
وقال عنترة ، هو يصف نعيب غراب : [ من الكامل ]
حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه * جلمان بالأخبار هشّ مولع « 4 »
وقال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه : سل الأرض ، فقل : من شقّ أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ؛ فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا .
فموضوع الجسم ونصبته ، دليل على ما فيه وداعية إليه ، ومنبهة عليه . فالجماد الأبكم الأخرس من هذا الوجه ، قد شارك في البيان الإنسان الحيّ الناطق . فمن جعل أقسام البيان خمسة ، فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللّغة ، وشاهد في العقل .
فهذا أحد قسمي الحكمة ، وأحد معنيي ما استخزنها اللّه تعالى من الوديعة .
هامش
( 1 ) ذكر البغدادي في خزانته 3 / 147 ( بولاق ) : « العقد نوع من الحساب يكون بأصابع اليدين ؛ يقال له : حساب اليد . وقد ورد منه في الحديث « وعقد عقد تسعين » وانظر البيان 1 / 76 .
( 2 ) البيت لنصيب في ديوانه 59 ، والأغاني 1 / 337 ، والخزانة 5 / 296 « هارون » ، وشذور الذهب 38 واللسان ( حدث ) .
( 3 ) الرجز لأبي الرديني العكلي في البيان 1 / 82 ، والبرصان 193 ، والخزانة 3 / 105 ، وبلا نسبة في اللسان والتاج ( مخر ، قرع ) ، وديوان الأدب 1 / 311 .
( 4 ) البيت لعنترة في ديوانه 48 ، والبيان 1 / 82 ، واللسان ( حرق ، بين ) ، والتاج ( بين ) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( حرق ) ، والمخصص 1 / 73 .