تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
إلّا كلّ مبرّز في الفطنة ومتمهّل في العزيمة ، طويل التجارب ، فاضل العقل على قوى الشهوات . وبئس الشيء القرين السوء . وقالوا : صاحب السّوء قطعة من النار . وباب من هذا الشكل ، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده ، وهو ما يصنع الخبر السابق إلى السمع ، ولا سيّما إذا صادف من السامع قلّة تجربة ، فإن قرن بين قلّة التجربة وقلّة التحفّظ ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقرّه دخولا سهلا ، وصادف موضعا وطيئا ، وطبيعة قابلة ، ونفسا ساكنة ؛ ومتى صادف القلب كذلك ، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته . ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات ، في وقت الغرارة ، وعند غلبة الطبيعة ، وشباب الشهوة ، وقلّة التشاغل ؛ وكذلك متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمورهن وأمور الغلمان ، وهناك سكر الشباب ، فكذلك تكون حالهم . وإنّ الشّطّار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له : لا يكون الغلام فتى أبدا حتّى يصادق فتى وإلّا فهو تكش ، والتكش عندهم الذي لم يؤدّبه فتى ولم يخرّجه ، فما الماء العذب البارد ، بأسرع في طباع العطشان ، من كلمته ، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوّة ، وأدنى داعية إلى المنالة . وكذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها . وأنشدنا : [ من الخفيف ]
فأتتها طبّة عالمة * تخلط الجدّ بأصناف اللعب ترفع الصوت إذا لانت لها * وتناهى عند سورات الغضب
وقال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب : [ من الكامل ]
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل « 1 » كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال مجنون بني عامر : [ من الطويل ]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا « 2 »

135 - [ ما يدعو إلى الفساد ]

وباب آخر ممّا يدعو إلى الفساد ، وهو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل ، وأدنى حركة عند مثله . وطول التداني ، وكثرة الرؤية هما أصل
هامش
( 1 ) البيتان لأبي تمام في ديوان الصبابة 15 . ( 2 ) البيت لمجنون ليلى في ديوانه 282 ، والبيان 2 / 42 ، وليزيد بن الطثرية في ديوانه 109 ، والحماسة الشجرية 145 ، ولعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار 3 / 9 . وتقدم في الفقرة ( 18 ) .