تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث في علوم القرآن والحديث — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧

الحكمة الثالثة مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها

فكلما جد منهم جديد ، نزل من القرآن ما يناسبه ، وفصل اللّه لهم من أحكامه ما يوافقه ، وتنتظم هذه الحكمة في أمور أربعة : أولها : إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التأكد من رسالته كما قال اللّه تعالى في جواب سؤال أعدائه إياه :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ سورة الإسراء آية : 85 ] وقوله تعالى
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً
[ سورة الكهف آية : 83 ] . . . إلخ . الآيات في هذا الموضوع من سورة الكهف ، أو كانت لغرض معرفة حكم اللّه كقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ سورة البقرة آية : 219 ] . وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
[ سورة البقرة آية : 220 ] . ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أوقات مختلفة وعلى نوبات متعددة . ثانيها : مجاراة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم اللّه فيها عند حدوثها ووقوعها . ومعلوم أن تلك الأقضية والوقائع لم تقع جملة ، بل وقعت تفصيلا وتدريجا فلا مناص إذا من فصل اللّه فيها بنزول القرآن على وفقها تفصيلا وتدريجا . والأمثلة على هذا كثيرة ، منها قول اللّه سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
إلى قوله :
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
[ سورة النور آية : 11 - 26 ] . ومن الأمثلة أيضا قوله :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها . . .
إلى قوله :
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ سورة المجادلة آية : 1 - 4 ] . وهن ثلاث آيات نزلت عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها ، وجادلت الرسول بأن معها صبية صغارا إن ضمتهم إلى زوجها ضاعوا ، وإن ضمتهم إليها جاعوا . ثالثها : لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها وإرشادهم إلى الصواب في الوقت نفسه . ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة ، فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها متكافئا معها في زمانها . اقرأ إن شئت قوله سبحانه :
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ
[ سورة آل عمران آية : 121 ] إلى آيات كثيرة بعدها ، وكلها نزلت في غزوة أحد إرشادا