فقال : ما رأيته . . . ، والأقرب هو ما استدل به عليه هاهنا من حيث أن سياق الآيات وسببها بصدد تقرير صدق الوحي ، وإمكانية اتصال الملك بالرسول « 1 » .
واستعداده لأداء هذه الرسالة والنزول بها إلى العالم الأرضي كما قال سبحانه وتعالى
فَاسْتَوى
في سورة النجم مفرع على ما تقدم من قوله
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
" النجم / 5 " ، والفاء لتفصيل
عَلَّمَهُ
والمستوي هو جبريل عليه السّلام .
ومعنى استوائه : قيامه بعزيمة لتلقي رسالة اللّه سبحانه وتعالى ، كما يقال : استقل قائما ، ومثل بين يدي فلان ، فاستواء جبريل عليه السّلام هو مبدأ التهيؤ لقبول الرسالة من عند اللّه ، وكذلك قيد هذا بجملة الحال في قوله
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
" النجم / 7 " ، والضمير لجبريل عليه السّلام لا محالة ، أي قبل أن ينزل إلى العالم الأرضي « 2 » .
5 - بعد استعداده لتنفيذ الأمر يبدأ بالنزول بسرعة يعلم مقدارها من أودع فيه القوة الهائلة لتبليغ الوحي القرآني إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث كان ، فلا يبالي بمكانه في بيت أو في فراش أو بين أصحابه أو في جهاده كما تقدم « 3 » ،
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
" النجم / 8 " ، والدنو : هو القرب ، والمراد إلى حيث يبلغ الوحي وذلك إلى مكانه المحدد من الأرض " وإذ كان فعل الدنو ، قد عطف ب
ثُمَّ
على
فَاسْتَوى
بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
علم أنه دنا إلى العالم الأرضي ، أي أخذ في الدنو بعد أن تلقى ما يبلغه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، و
فَتَدَلَّى
انخفض من علو قليلا ، أي ينزل من طبقات إلى ما تحتها ، كما يتدلى الشيء المعلق في الهواء بحيث لو رآه الرائي يحسبه متدليا ، وهو ينزل إلى السماء غير منقض " « 4 » .
هامش
( 1 ) وسورة النجم أول أغراضها تحقيق : أن الرسول صادق فيما يبلغه عن اللّه تعالى ، وأنه منزه عما ادعوه ، وإثبات أن القرآن وحي من عند اللّه بواسطة جبريل عليه السّلام ، وتقريب صفة نزول جبريل عليه السّلام بالوحي في حالين زيادة في تقرير أنه وحي من اللّه واقع لا محالة . انظر : التحرير والتنوير 27 / 96 ، مرجع سابق .
( 2 ) التحرير والتنوير 27 / 96 ، مرجع سابق .
( 3 ) في الفصل الثاني - المبحث الثاني .
( 4 ) انظر : التحرير والتنوير 26 / 96 ، مرجع سابق .