3 - لكن أبرز صفاته التي يشار إليها في هذا المقام - إذ أظهر الغفلة تعجبهم من اتصال الملأ الأعلى بالبشر ، وسرعة وصول الرسول السماوي إلى الرسول البشري مع وجود هذه المسافات الهائلة بينهما - أنه
. . . شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ . . .
، وقد تقدم شرحها « 1 » .
4 - عندما يريد اللّه عزّ وجل من جبريل عليه السّلام الوصول إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لتبليغه الوحي - إرادة أمر وإذن « 2 » - فإنه يستعد للقيام بأمر اللّه ، وهو بالأفق الأعلى ، فاستعداده هنا فعلي بعد أن كان استعدادا فطريا ؛ ذلك بأن الأفق هو اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين طرف منتهى النظر من الأرض وبين منتهى ما يلوح كالقبة الزرقاء ، وغلب إطلاقه على ناحية بعيدة عن موطن القوم ومنه أفق المشرق وأفق المغرب ، ووصفه بالأعلى ليفيد أنه من ناحية السماء « 3 » ، ويومئ لهذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إنما ذلك جبريل ، ما رأيته في الصورة التي خلق عليها غير هاتين المرتين :
رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ) « 4 » .
فإن اعترض بأن : هذا دال على رؤيته له ، لا على استعداده للنزول . . . فلا يستقيم الاستدلال ! فالجواب : نعم ! يدل على رؤيته له ، ولكن تبقى الآية محتملة للأمرين إن كان بقية الحديث منقطعا عما قبله ، كأنه قال : المراد في الآيات هو جبريل عليه السّلام ، ثم استأنف
هامش
( 1 ) انظر : الفصل الأول - المبحث الثاني .
( 2 ) تفصيل هذه الإرادة الإلهية : في المبحث الثالث من هذا الفصل .
( 3 ) وقيل هي رؤيته له بحراء قد سد الأفق . انظر : ( أبو حيان ) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي ت 754 ه : البحر المحيط 8 / 157 ، ط 2 1411 هت - 1990 م ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، وقولهدَناتبعد ذلك ، وقيل فيها دنا : أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جبريل عليه السّلام . انظر : تفسير أبي السعود 5 / 218 ، مرجع سابق ، وواضح وهن هذا القول من حيث سياق الآيات ، ومن حيث طبيعة قصة الإسراء .
( 4 ) سنن الترمذي 5 / 262 ، مرجع سابق .