وفي مسند الحميدي : ( يعجل به يريد أن يحفظ ) ، والحفظ منصرف هنا للفظ إذ لو كان المراد المعنى لما احتاج لذاك الاجتهاد .
13 - ومما يدل على وجوب حفظ النبي صلى اللّه عليه وسلم للقرآن ، حفه بالعوامل المساعدة على الحفظ
، مثل تنجيم القرآن ، وترتيله ؛ وهو ما صرح به صاحب التحرير والتنوير حيث قال في فوائد الترتيل : " وفائدة هذا : أن يرسخ حفظه ، ويتلقاه السامعون ، فيعلق بحوافظهم ، ويتدبر قارئه ، وسامعه معانيه ، كي لا يسبق لفظ اللسان عمل الفهم " « 1 » ، وهو تصريح بأن عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم ضبط الاثنين : لفظ اللسان ، وعمل الفهم .
ومن هذه العوامل المساعدة على الحفظ :
التنبيه ابتداء على صعوبة المحفوظ من حيث اشتماله على معان غير متوقعة ، ولا معتادة في تفاصيلها ، لئلا يدور بخلد الذي يريد الحفظ وهو ( النبي ) صلى اللّه عليه وسلم أولا أنها معتادة فاللسان لن يضيعها ؛ فيتأهب له ، ويقدره حق قدره ، كما قال عزّ وجل
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
" المزمل / 5 " ، والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة مستعار لصعوبة حفظه ؛ لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه ، فيكون حفظ ذلك عسيرا على الرسول صلى اللّه عليه وسلم الأمي ، تنوء الطاقة عن تلقيه ، فقد مهد لهذه الحقيقة بأوامر هي وسائل لتحقيق مقتضاها : من قيام ليل ، وترتيل قرآن ، فقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
" المزمل / 5 " تعليل للأمر - بقيام الليل « 2 » .
14 - الترهيب من نسيان القرآن :
وإن لم يصح في عقوبة ذلك حديث مرفوع « 3 » ، فقد دخل في عموم قوله سبحانه وتعالى :
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير 29 / 317 ، مرجع سابق .
( 2 ) انظر : التحرير والتنوير 29 / 164 ، مرجع سابق ، ولا ينافي هذا تيسير القرآن للذكر ؛ إذ هو كذلك بالنظر إلى أنه الحق الصالح برغم صغر حجمه لكل زمان ومكان هاديا في كل مجال ، وهو كذلك بالنظر إلى من اتبع قواعده في أسلوب حفظه ، ولذا أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بتعاهده فهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها .
( 3 ) لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 9 / 86 ، مرجع سابق : " قد أخرج بن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه : ( . . . أعظم من حامل القرآن وتاركه ) في معرض التهديد بأكبر الذنوب - ومن طريق أبي العالية موقوفا : ( كنا