فإن اعترض بأن : ذا كان جائزا أول الأمر قبل التبليغ ، أما استمرار حفظه بعد فلا ؟ .
فالجواب : إن لم يجب استمرار الحفظ ، فكيف يكون التذكير الذي هو جزء من ماهية التبليغ ؟ وقد قال اللّه - تعالى ذكره - في معرض حصر مهمة النبي صلى اللّه عليه وسلم :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
" الغاشية / 21 " .
وعند النظر في الشريعة يستبين أن من أهم أسماء القرآن ( الذكر ) ، والذكر عام للناس كلهم
. . . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . .
" النحل / 44 " ، وخاص للمؤمنين
. . . فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
" ق / 45 " ، وذلك كله مستلزم للتذكير بما يريده اللّه سبحانه وتعالى المقتضي لاستمرارية الحفظ . . . ولذا كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن كل عام ، فإن لم يكن هذا دليلا على وجوب الاستمرار لحفظ القرآن فعلى ما ذا يدل هذا ؟ .
7 - قوله عزّ وجل : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
" ق / 9 " :
والحفظ لا يتم للقرآن خارج النواميس الإلهية ، وذلك أمران :
أ - ما يتم بالقدرة الإلهية المحضة ، وهو مشاهد ملموس ؛ إذ قد أحاط بالكتاب الكريم من المكر الكبار ما كادت أن تميد منه الجبال ، ولا تكفي القدرة الإسلامية ، المتمحض بشريتها لصده ، خاصة في فترات الاستضعاف . . . وعلى الرغم من ذلك يظل الكتاب الكريم محتفظا بثبات لفظه ، وازدياد رسوخ نصه .
ب - ما شرفت الأمة بالتكليف به ؛ إذ هي وارثة الكتاب ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا . . .
" فاطر / 32 " ، ولئن استحفظ أهل الكتاب السابقين على ما نزل إليهم ، لذاك كائن أوجب في حقنا ، وقد قال الصاوي - رحمه اللّه تعالى - : " . . . سيما ، وقد جعل اللّه له خدمة من البشر يحفظونه " « 1 » ، وقال صاحب
هامش
( 1 ) حاشية الصاوي وبهامشه تفسير الجلالين 2 / 314 ، مرجع سابق .