كسردكم أي يتابع الحديث استعجالا بعضه إثر بعض لئلا يلتبس على المستمع ، زاد الإسماعيلي من رواية بن المبارك عن يونس : ( إنما كان حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصلا فهما تفهمه القلوب ) " « 1 » ، وقال في موضع آخر : " قولها ( لو عده العاد لأحصاه ) أي لوعد كلماته ، أو مفرداته ، أو حروفه لأطاق ذلك ، وبلغ آخرها ، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهيم " « 2 » .
وإذا كان ذا في حديثه المعتاد ، فكيف في تلاوة كلام اللّه سبحانه وتعالى ؟
وإنما ابتدأ البحث بحديث جابر رضى اللّه عنه حتى لا يرد على جوهر التقرير هاهنا أن الترتيل قد يراد به التفريق في الإنزال ( التنجيم ) ، فحديث جابر رضى اللّه عنه يرده ، وإن كان المعنى الذي قيل وارد ، لكن في غير ذا المكان « 3 » .
وتصف أم سلمة - رضي اللّه تعالى عنها - الصورة التطبيقية لترتيل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( بأن قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانت : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين يعني كلمة كلمة ) « 4 » ، وعن ابن أبي مليكة أن بعض أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا أعلمها إلا حفصة سئلت عن قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : ( إنكم لا تطيقونها قالت :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
هامش
( 1 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري 6 / 579 ، مرجع سابق .
( 2 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري 6 / 578 ، مرجع سابق .
( 3 ) وصار الترتيل مستعملا في عرف العلماء في هذا المعنى لا في معنى التفريق ( التنجيم ) ففي سنن البيهقي الكبرى 1 / 427 ، مرجع سابق ، أن أبا سعيد الخدري رضى اللّه عنه قال : ( إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك وباديتك ، فأذنت بالصلاة ، فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة - قال أبو سعيد - : سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رواه البخاري ، قال الشافعي : والترغيب في رفع الصوت ، يدل على ترتيل الأذان " وفيها أيضا 2 / 52 ، مرجع سابق : " باب كيف قراءة المصلى قال اللّه عزّ وجل. . . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًاقال الشافعي - رحمه اللّه تعالى - : " الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة " . وتبيين الحروف ، وإشباع الحركات مقتض نوعا من التفريق بين الحروف تضبطه المشافهة ليعطى كل حرف حقه ومكانته .
( 4 ) سنن البيهقي الكبرى 2 / 44 ، مرجع سابق .