والحكمة في تقدم هذا الصوت الشديد « 1 » :
أن يقرع الوحي سمعه صلى اللّه عليه وسلم فلا يبقى فيه مكان لغيره « 2 » .
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن السلسلة ( أو الصلصلة ) ظاهرة صوتية قوية مهابة تظهر مع كل إنزال للوحي الإلهي ، وقد تقدم حديث النواس بن سمعان : ( إذا تكلم اللّه بالوحي سمع أهل السماء صلصلة ) « 3 » ، وفي قصة حنين حين رمى النبي صلى اللّه عليه وسلم على وجوه العدو التراب ، فأخذ كفا من تراب ، يضرب به وجوههم ، وقال : ( شاهت الوجوه ) ، فهزمهم اللّه عزّ وجل ، فحدث أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا ، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست « 4 » .
فقد كانت هذه الظاهرة الصوتية تدل على جلالة الخطب ، وعظم الأمر ، وتصاحب نزول الملك وفعله القوي الشديد ، وهي لا شك داعية إلى تفريغ القلب وانشغاله بما صاحبها دون غيره .
2 - المعاناة في تلقي الوحي :
فقد كان نزول الوحي القرآني ، يستلزم أمرا زائدا على الطباع البشرية ؛ وذلك ليتم التأهل لاستماع الوحي القرآني ، ثم لحفظه ووعيه ومن ثم تبليغه ، وهي مسألة تستدعي النظر مع ما عرف عن العرب في ذلك الوقت من الحفظ المفرط والذاكرة القوية ، لكأن هذه الخاصة التي تميز بها العرب لا تكفي للمحافظة على نص القرآن ، أو تكفي ، لكن لمزيد التأكد والتأكيد وتوثيق النص القرآني .
هامش
( 1 ) انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 35 ، مرجع سابق ، ونحوه نقل السندي في حاشيته على سنن ابن ماجة 2 / 146 ، مرجع سابق .
( 2 ) فتح الباري 1 / 37 ، مرجع سابق .
( 3 ) انظر : الفصل الأول - المبحث الثالث .
( 4 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 / 286 ، مرجع سابق ، ومعناه في : ( أبو داود ) سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ت 275 ه : سنن أبي داود 4 / 32 ، مراجعة : محمد محيي الدين عبد الحميد ، وقال الشيخ الألباني : " حسن " .