تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه ، وقيل بعد أن ولد عليه السّلام ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين ، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب ، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه اللّه على رأس أربعين سنة من عمره ، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان ، وكل ذلك بقدر اللّه وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل ، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم فاختار اللّه له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج ، كما أجرى اللّه سنته على الوجه الأتم الأكمل ، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه رضي اللّه عنهم أجمعين ، وكل هذا من حفظ اللّه له وكلاءته وعنايته به . وقوله تعالى :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
كقوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] الآية . ومنهم من قال إن المراد بهذا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضل في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع ، وقيل إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام ، وكان راكبا ناقة في الليل ، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق ، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة ، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي ، وقوله تعالى :
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
أي كنت فقيرا ذا عيال فأغناك اللّه عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات اللّه وسلامه عليه . وقال قتادة في قوله :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
قال : كانت هذه منازل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يبعثه اللّه عز وجل . رواه ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس » « 2 » وفي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه » « 3 » . ثم قال تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
أي كما كنت يتيما فآواك اللّه فلا تقهر اليتيم أي لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به ، قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرّحيم
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
أي وكما كنت ضالا فهداك اللّه فلا تنهر السائل في العلم المسترشد قال ابن إسحاق :
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
أي وكما كنت ضالا فهداك اللّه فلا تنهر السائل في العلم
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 12 / 625 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 15 ، ومسلم في الزكاة حديث 120 ، والترمذي في الزهد باب 40 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 312 ، 315 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 125 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 413 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين