تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
زيد ، هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر ، وقال مالك عن زيد بن أسلم : إذا تلاها ليلة القدر . وقوله تعالى :
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
قال مجاهد : أضاء . وقال قتادة
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
إذا غشيها النهار ، وقال ابن جرير : وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى والنهار إذا جلا الظلمة لدلالة الكلام عليها . ( قلت ) ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
أي البسيطة لكان أولى ولصح تأويله في قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها
فكان أجود وأقوى ، واللّه أعلم . ولهذا قال مجاهد
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
إنه كقوله تعالى :
وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها ، وقالوا في قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها
يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق . وقال بقية بن الوليد عن صفوان : حدثني يزيد بن ذي حمامة قال : إذا جاء الليل قال الرب جل جلاله غشى عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه والذي خلقه أحق أن يهاب . رواه ابن أبي حاتم ، وقوله تعالى :
وَالسَّماءِ وَما بَناها
يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها ، وهو قول قتادة : ويحتمل أن تكون بمعنى من يعني والسماء وبانيها ، وهو قول مجاهد ، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
- أي بقوة -
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
[ الذاريات : 47 - 48 ] وهكذا قوله تعالى :
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها
قال مجاهد :
طَحاها
دحاها ، وقال العوفي عن ابن عباس
وَما طَحاها
أي خلق فيها . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :
طَحاها
قسمها . وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد
طَحاها
بسطها ، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين ، وهو المعروف عند أهل اللغة ، قال الجوهري : طحوته مثل دحوته أي بسطته . وقوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
[ الروم : 30 ] وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ » « 1 » أخرجاه من رواية أبي هريرة ، وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقول اللّه عز وجل : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 79 ، وتفسير سورة 30 ، باب 1 ، ومسلم في القدر حديث 22 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 275 ، 393 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 63 .