تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
يعني مكة
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
قال أنت يا محمد يحل لك أن تقابل به ، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد ، وقال مجاهد ما أصبت فيه فهو حلال لك . وقال قتادة :
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
قال : أنت به من غير حرج ولا إثم ، وقال الحسن البصري أحلها اللّه له ساعة من نهار ، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته . « إن هذا البلد حرم اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه « 1 » ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب » وفي لفظ آخر : « فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه فقولوا إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم » « 2 » . وقوله تعالى :
وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
قال ابن جرير « 3 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عطية عن شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى :
وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
الوالد الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له ، ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن عبد اللّه القاضي به ، وقال عكرمة الوالد العاقر وما ولد الذي يلد رواه ابن أبي حاتم . وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم : يعني بالوالد آدم وما ولد ولده ، وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي ، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي أم المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده ، وقال أبو عمران الجوني : هو إبراهيم وذريته ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضا . وقوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني منتصبا ، زاد ابن عباس في رواية عنه منتصبا في بطن أمه ، والكبد الاستواء والاستقامة ، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سويا مستقيما كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
[ الانفطار : 6 - 7 ] وكقوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] وقال ابن جريج وعطاء عن ابن عباس : في كبد قال في شدة خلق ألم تر إليه وذكر مولده ونبات أسنانه ، وقال مجاهد
فِي كَبَدٍ
نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق ، قال مجاهد : وهو كقوله تعالى :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
وأرضعته كرها ومعيشته كره فهو يكابد ذلك .
هامش
( 1 ) لا يختلى خلاه : أي لا يقطع شجرة ، والخلا : النبت الرطب . ( 2 ) أخرجه البخاري في العلم باب 39 ، ومسلم في الحج حديث 445 ، 447 ، 464 . ( 3 ) تفسير الطبري 12 / 586 .