تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
عبد الرّحمن المقري به وليس لعبد العزيز عنده سواه . ثم قال تعالى :
إِلَّا الْمُصَلِّينَ
أي الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم ، إلا من عصمه اللّه ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون .
الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
قيل : معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها ، قاله ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي ، وقيل : المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع كقوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
[ المؤمنون : 1 - 2 ] قاله عقبة بن عامر : ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد ، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته ، لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته . وقيل : المراد بذلك الذين إذا عملوا عملا داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل » وفي لفظ « ما داوم عليه صاحبه » قالت : وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا عمل عملا داوم عليه ، وفي لفظ أثبته « 1 » ، وقال قتادة في قوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
ذكر لنا أن دانيال عليه السّلام نعت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يصلون صلاة لو صلّاها قوم نوح ما غرقوا ، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم ، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة ، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات ، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
أي يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب . ولهذا قال تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أي خائفون وجلون
إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
أي لا يأمنه أحد ممن عقل عن اللّه أمره إلا بأمان من اللّه تبارك وتعالى . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ
أي يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللّه فيه ولهذا قال تعالى :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
أي من الإماء
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
وقد تقدم تفسير هذا في أول سورة
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون : 1 ] بما أغنى عن إعادته هاهنا . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا ، وإذا عاهدوا لم يغدروا ، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 32 ، والرقاق باب 18 ، ومسلم في المسافرين حديث 216 ، 218 ، وأبو داود في التطوع باب 27 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 241 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين